لنا عبدالرحمن

أكتوبر 14th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب

رواية «ما بعد الحب»

تعلن رحيل إمرأة إلى منافي الغربة الموحشة.

«ما بعد الحب» هو العمل الروائي الثاني بعد «بنت الخان» للكاتبة العراقية هدية حسين وإن كان ليس للحب ما بعد، وما قبل، على مستوى الزمن في هذه الرواية، لكنه ينجلي بوضوح على جانب الحدث، والشعور بالعالم المتغير حول بطلة الرواية إذ لا يجسد الحب هنا كائنًا أسطوريًا عالقًا بين امرأة ورجل بل يتخذ أشكالاً هلامية متعددة تكبر وتكبر لتتسع وتشمل، الوطن، الغربة، المنافي، ووجع الانسلاخ عن الذاكرة، ما بعد الحب هنا هو ما بعد فقد الأحبة.

والرحيل عنهم، ما بعد التصميم على إيجاد رؤي بديلة لكل ما أحببناه من قبل بإمكاننا بسهوله أن نحلل رواية هدية حسين من عدة أوجه سياسية أو اجتماعية تصف كوارث شعب صار أبناؤه وقودًا لحروب متكررة بلا طائل سوى الرغبه بمزيد من الحرائق، إذ لا يشكل العامل السياسي والاجتماعي مسرحًا خلفيًا للحدث، بل يدخل في نسيج اللحم الحي للهيكل السردي في «ما بعد الحب»، إنها حكايا منسوجة بدقه ومتداخلة لتبدأ بالموت والغربة وتنتهي بالرحيل نحو مناف لن تشكل أبدًا أوطان بديلة إلا لأجساد تركت أرواحها معلقة في شوارع وأزقة الوطن لكن رغم كل هذا التشابك الضمني والمتواطئ بين العالم الخارجي، والكي??ن الداخلي لبطلة الرواية (هدى).

يبدأ الحدث الروائي (بالموت)، لتجد (هدى) نفسها في مواجهة فعلية مع واقعٍ فرض عليها استلام أغراض صديقتها (نادية) التي التقت بها في غربتهما المشتركة في (عمان)، وحتي حدث اللقاء هذا فقد تم مصادفة في سوق تجاري شعبي، ولم يمهد لتكوين أحداث مشتركة بينهما إلا من جانب ذكريات هدي التي تسردها بعد موت (نادية)، وفي العودة للحديث عن المقطع الأول من الرواية البادئ بالموت وبأخذ أغراض (نادية) يمكننا القول أن هذا المطلع المكون من عده أسطر يمتلك مفاتيح السرد، وسائر التفاصيل التي تنبني عليها سيرورة الأحداث تقول: هذا كل شيء .

حقيبة يد من الجلد الصناعي تحتوي على جزءين ذوي جيوب متعدده ودفتر صغير بحجم الكف لكتابة الملاحظات السريعة والعناوين، بنطلون جينز، معطف طويل، أربعة بلوزات صوفية، ثلاثة قمصان، مجموعة كتب أدبية، وأخري عن العراق أثناء وبعد عاصفة الصحراء، دفتر كبير لكتابة المذكرات، طاسة بخارية تحتوي على قواقع وخرز ملونة، وحصي غريبة الشكل لا أدري من أين جلبتها (نادية).

ينهض هذا المطلع ليقدم لنا عالمين، يبدوان متناقضين ظاهريًا لكنهما يتحدان في مجري واحد بعد أن يسلم الأول للثاني خلاصة كيان حياتي كامل، وتنهض ذاكرة نادية هنا من العدم، في يقين سلبي من القارئ أنها النهاية الفرضية التي اختارها لها القدر للموت في حادث سير عابر.

لكن هذا الغياب الجسدي والرحيل النهائي يظل مستمرًا في حياة (هدى) إنه يتشكل بعمق عبر مجموعة الأشياء التي دخلت عالمها في شكل إرث حي مكون من (مذكرات، كتب، وتفاصيل أخري) يبدأ التجلي الأنثوي لحكايا نادية منذ اللحظة الأولي التي تبدأ فيها (هدى) بقراءة مذكراتها مؤكدة بذلك على وجودها الزاخم والمكثف في قلب النص ونسيجه، وفي ماضي (هدى) وحاضرها كما سيتضح فيما بعد، إذ تبدو (نادية) الغائبة الحاضرة امرأة من لحم ودم قادرة على الرفض والقبول، ثم التمرد بعنف على فعل قراءة المذكرات من قبل (هدى).

بإمكاننا إذن أن نأخذ الذاكرة الأنثوية الفاعلة على اعتبار انقسامها إلى قسمين، أحدهما وجد في زمن ماضٍ، ويلقي بآثاره على حاضر مضارع بهدف ضمان مكان مناسبٍ للإرث الحياتي المنتهي فعليًا والمستمر وجدانيًا، أما الآخر فتجسده (هدى) بكل ما تحمله من معاناة غربة وفقد ووحدة

الأنوثة كفعل مقاومة

ترتبط (نادية) مع (هدى) في علاقة صداقة تمتد لزمن مشترك حين كانتا تعملان معًا في مصنع (الأمل) الذي تصفه الكاتبة بقولها: «لا أمل في مصنع الأمل» مجموعة نساء يبحثن عن لقمة عيش مغمسة بالذل بعد ضياع الفرص وطول الحصار وخراب البلد، ربما أشباه نساء خلف ماكينات

المزيد


حسين بن حمزة

أكتوبر 10th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب

خالدة سعيد:

أنا مصرّة على المثنى.

  

لا أميل إلى النسويات اللواتي يرفعن شعار«الأنثى هي الأصل».

حين نرى اسم خالدة سعيد على غلاف كتاب «في البدء كان المثنّى» (دار الساقي)، تداهمنا السيرة المضيئة لهذه الناقدة التي واكبت الحداثة الشعرية العربية منذ نهاية الخمسينيات. نستعيد دراساتها المعمّقة والتأسيسية في قصائد السياب وأدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط. كان جديداً على قرّاء تلك الحقبة أن يقرأوا نصاً نقدياً يستغرق 40 صفحة عن قصيدة واحدة.

الكتاب الجديد ليس عن الشعر. لم يعد الشعر هاجساً وحيداً كما في البدايات. سرَّحت صاحبة «حركية الإبداع» نبرتها النقدية في مناطق أخرى، وخصوصاً في المسرح فأنجزت مجلداً مرجعياً بعنوان «الحركة المسرحية في لبنان» (1998)، وكتاباً عن شعرية المسرحة بعنوان «الاستعارة الكبرى» (2008). وها هي تطلّ علينا بكتاب يتحرك بين مقاصد سوسيولوجية وغايات إبداعية. إنّه كتاب امرأة عن نساء. الحضور القوي للنساء لا يجعل الكتاب نسوياً. المادة التي فيه أكثر تعدداً وتفلسفاً من العناوين الشائعة للنسويات. لكن لماذا تحضر مفردة «المثنى»؟ لماذا لم يعنون بـ«في البدء كانت الأنثى» مثلاً؟ السبب يعود إلى تسرب الخطاب الديني إلى فكرة الكتاب، باعتباره متدخِّلاً أساسياً في تحديد المجال العام والخاص المتاح للمرأة العربية والمسلمة، ولأنه استُخدم كسلاح لقمع حريتها وقضم حقوقها. تكشف خالدة سعيد «المسافة التي انزاحت إليها المأثورات والمرويات الخاصة بالنساء» التي «نقلت وربما حرَّفت» مواقف النبي محمد والنصوص الصادرة عنه مباشرةً.

وترى أن قصة خلق حواء من ضلع آدم، ومسؤولية حواء عن الخروج من الجنة هي رواية توراتية، نافيةً ورود مفردتي «ضلع» و«حواء» في القرآن، ومستشهدةً بآيات تؤكد أنّ آدم وامرأته خلقا من نفس واحدة، أو أن امرأته خُلقت من نفسه لا من ضلعه. لماذا تبنّى العالم الإسلامي هذه الرواية؟ نسألها: «السبب عائد إلى ركام الأحاديث النبوية التي تناولت المرأة. البخاري تجاهل أكثر من 500 ألف حديث في صحيحه، لذا فإن شطب أحاديث أخرى أمر ممكن. كنت سأضع آية إنا خلقناكم أزواجاً في مستهل الكتاب، لكني لم أُرِد دمغه بطابع ديني». بالفعل، نغادر مقدمة الكتاب فنجد أنفسنا أمام تحية نقدية طويلة لقاسم أمين صاحب «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، تليها دراسات تتناول تجارب مبدعات عربيات: لور مغيزل، فاطمة المرنيسي، روز غريِّب، سنية صالح، منى السعودي، نادية تويني، أندريه شديد، سحر خليفة، مي غصوب، فدوى طوقان، سلوى روضة شقير، ليانة بدر، سعاد ا

المزيد


إنتصار أبوراوي

أغسطس 24th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب

حديث المدينة

 القاص أحمد العنيزي من جيل الرواد فى كتابة القصة القصيرة ولكنه لم يجمع نتاجه القصصى فى مجموعة خاصة به خلا ل العقود التى كان يكتب فيها قصصه القصيرة. و لقد صدرت مجموعته القصصية "حديث المدينة"، كتجميع لنتاجه القصصى القديم الذى كتبه فى خمسينيات القرن العشرين معبرا من خلالها عن روح المرحلة الزمنية التى عاشها القاص، أو كما يقول فى مقدمة مجموعته القصصية: "عملت بكل ما أوتى لي من مقدرة على العطاء ان اعبر عما كان يحيط بى وما كان يدور فى المحتمع الذى كان يرزخ تحت وطأة الفقر والمعاناة فى السنين الغابرة، كل ذلك كان ارتباطا بالمدرسة الواقعية التى أفرزت الأدب الملتزم فى الخمسينيات".

المجموعة القصصية التى تحتوى على 22 قصة قصيرة لم تخرج عن هذا الاطار الذى ذكره القاص بنفسه فى مقدمته، فهى مجموعة معبرة عن واقع حياتى يومى لحقبة الخمسينيات من القرن العشرين، فأبطال قصصه هم ناس عاديون مكافحون من أجل توفير لقمة العيش لعائلاتهم كما فى قصة "دموع السماء" التى تتحدث بصوت الراوى الشاب عن قصة والده مع الزراعة وانتظار الغيث الذى غاب عن موسم الزرع. ونجد مثل هذه التيمة فى قصة " نداء الفجر" التى تروى قصة "صابر" الشاب المتدين الذى يصحو كل يوم لأداء صلاة الفجر رفقة جاره الشيخ الضرير، فيرى امرأة تسكن بالبيت المقابل للشيخ تومئ له بالإشارت ثم بالحديث المباشر، ويلمح القاص بأسلوب سلس لصراع الخير والشر الذى يدور داخل بطل القصة صابر ثم وقوعه معها فى شرك المحرم، ليتركها ولتمضى به الحياة نحو تكوين عائلة متخليا عنها، ولكن تأنيب الضمير والإحساس بالذنب تجاه امرأة يطل كخيط رقيق منسلا فى ثنايا تفاصيل القصة ونهاياتها التراجيداية.

وفى قصته "عام للبيع" نجد صورة أخرى للبؤس الانسانى فى شخصية "جبريل" الذى يتعرض للمضايقات من زملاء عمله لغيرته منه نتيجة لنشاطه وكفاءته التى جعلت مدير العمل يقربه منه، ويحضى بثقته فيدبر له زملاء العمل مكيدة ليخرج من عمله مطرودا والمرارة والحسرة فى قلبه، وتمضى قصص "أحمد العنيزي" برسم

المزيد


فاطمة غندور

أغسطس 16th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب

 تحية الى شريفة القيادي

 

 

تقدم الأديبة والباحثة شريفة القيادي كاتبة الخاطرة والمقالة والقصة والرواية والسيرة والباحثة الأغزر إنتاجا _ في تاريخ الاصدرات النسائية الليبية_  في كتابها (رحلة القلم النسائي الليبي ) دراستها التوثيقية والتحليلية التي هي في أصلها رسالتها لنيل الماجستير والتي استغرقت سنتين ونصف السنة في الإلمام بمتنها في جهد رائد مبكر و دؤوب مُثابر (إذا ما علمنا إنها الزوجة والأم) والذي ترصد حضور المرأة فيه منذ حادثتي 1911م و 1921 وظلالهما على وضع نساء طرابلس ، كما تُعمل بحثا وتنقيبا عن أي شاردة أو واردة تُلقي بالا لأي صدى أو حراك نسائي مُنطلقة من جريدة طرابلس الغرب، اللواء الطرابلسي ، برقة الجديدة ، الوطني ، فزان ، الليبي ، الأخبار ،الرائد ،الطليعة ،الحقيقة ،البلاغ ، الجهاد، الفجر الجديد الاسبوع الثقافي ، وأعداد مجلات صوت المربي،ليبيا الحديثة ، والمرأة الجديدة ،( أرجو أن لا أكون قد نسيت جريدة بحثت فيها شريفة  ) وذلك ما سيُعرف بأساليب الخطاب الصحفي آنذاك ، فشريفة تقدم شواهدها ونماذجها المقتطعة ،وأحيانا الكاملة لكل ما يُدلل على ما زخر به المشهد الصحفي والأدبي  آنذاك،وفي ذلك أولا : ما يمثل المُتعـة والإفادة في آن واحد لقُراء وقارئات لم يعاصروا (وفي ظني حتى من عاصروا وأمد الله في أعمارهم سيجدون مُتعة وحميمية ) تلك الحقبة النشطة والمُزدهرة لمجمل الدوريات الصحفية بكل أعدادها منذ بواكير أربعينيات القرن المنصرم وحتى منتصف عقد السبعينيات( الفترة الزمنية المبحوث فيها) وثانيا : كونها مرجعية أساسية لكل من يبحث في مرحلة التأسيس والتأصيل (البدايات )إذ عمرت الصحافة بدورياتها المتعددة بالمقالات والزوايا الخاصة بأقلامهم وأقلامهن التي تلح في دعوتها لتوجه النساء الى العلم والعمل للمساهمة في نهضة البلاد ( صالحة ظافر ،الطاهر برشان،محمد فريد سيالة ،ربيعة بن مولاهم ،محمد الشويرف،…) ،كما ستوثق شريفة أيضا للآراء المُعارضة والمُخالفة مما يوحي بالمناخ السجالي الذي كان براحه مفتوحا ، والذي ستظهر أثناءه وبعده أخبار وإعلانات تأسيس مدارس لتعليم البنات، واختبارات للمعلمات، وولوج فتيات الى الجامعة ، ثم ظهور جمعية النهضة بطرابلس أُسوة بسابقتها ببنغازي ،وسَتنبري العديد من الكاتبات في مجال المقالة الهادفة لدفع المرأة وتشجيعها: مثل منوبية عكاشة ،وبدرية النعاس ،ونجية الطرابلسي ، رباب أدهم ، بهيجة الهادي المشيرقي ، آسيا غانم ،آسيا عبد العال، ليلى العرادي وغيرهن اللاتي سيواظبن على الكتابة مع الزاوية المخصصة لأخبار ونشاطات جمعية النهضة ، ثم مرحلة بروز الكتابة الأدبية خمسينيات وستينيات القرن الماضي من شعر وقصة ورواية وسيرة ، تعرض شريفة لقصص الرائدة زعيمة الباروني ، وسيرتي خديجة عبد القادر في مصر(التي نشرتها في كتابها المرأة والريف ) ولندن، ( التي نشرتها في حلقات 31بجريدة طرابلس الغرب ولم تصدرها في كتاب ) وأشعار كاتبة المقالة كوثر نجم (ستُصدر ديوانيين فجر وغيوم 65م، ونداء المعركة 68م ) وصدور مجلة (المرأة 1965م) التي ترأستها السيدة خديجة الجهمي ،وقد كانت المُعلمة والشاعرة والكاتبة ومُعدة ومقدمة ال

المزيد


ريتشارد ماركوس-ت: رائد الباش

يوليو 27th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب

كتاب إدريس بن حامد الشرادي

"حياة مليئة بالحفر":

سحر القصة الشفوية بنكهة الأدب المكتوب

 

   لا يعتبر كتاب "حياة مليئة بالحفر" مجرَّد صورة قوية الدلالة، تصوِّر حياة أفقر الفقراء في المغرب إبَّان فترة الاستعمار، بل هو أيضًا خير دليل على التمكّن من نقل سحر القصص الشفوية التي تُروى بشكل مباشر إلى الأدب المكتوب. ريتشارد ماركوس يستعرض هذا الكتاب

نشرت الآن دار النشر الأنجلو أمريكية، هاربر كولينز، طبعة جديدة من هذا الكتاب الذي تم نشره باللغة الانكليزية أوَّل مرة في العام 1964

يمكن تقسيم الإرث الثقافي الذي تركه الكاتب الأميركي بول بولز Paul Bowles - الذي ولد في عام 1910 وتوفي في عام 1999 - إلى ثلاثة مجالات اهتمام أساسية متساوية؛ هي أعماله الأدبية ومؤلفاته الموسيقية وكذلك ترجماته ونقله عن أعمال بعض المؤلفين العرب من المغرب، البلد الذي اختاره ليكون وطنه.

وعلى العكس من الكثيرين من أبناء الدول الغربية ممن كانوا يزورون العالم العربي ويستقرّون فيه ويقومون بفعل كلَّ شيء، من أجل عزل أنفسهم عن السكَّان المحليين، فإنَّ بول بولز لم يدع هذا العالم يتدفَّق فقط في أعماله الخاصة - سواء في مؤلفاته الكتابية أو الموسيقية، بل كان أيضًا يتعاون مع بعض المؤلفين المحليين المغاربيين في ترجمة أعمالهم ومؤلفاتهم؛ وبالإضافة إلى ذلك كان يساعدهم في نشر مؤلفاتهم في الغرب، وذلك من خلال إعارته اسمه لهم.

ولا شكّ في أنَّ عمله المشترك مع الحكواتي المغربي، محمد مرابط كان الأكثر غزارة وإنتاجًا، إذ نتج عن هذا العمل المشترك في الفترة من عام 1967 وحتى عام 1986 اثنا عشر كتابًا؛ فيها الكثير من القصص القصيرة التي نشرت جميعها. غير أنَّ أوَّل عمل مشترك قام به بول بولز مع شخص مغربي قد أثمر أيضًا وبصورة جديرة بالملاحظة.

وكتاب "حياة مليئة بالحفر" A Life Full of Holes للعربي العياشي Larbi Layachi، المعروف أكثر باسمه المستعار، إدريس بن حامد الشرادي، صدر لأوَّل مرة في العام 1964 باللغة الانكليزية (وصدر باللغة الألمانية في العام 1985 - وبالفرنسية في العام 1965 عن دار نشر غاليمار). وهذا الكتاب حقَّق نجاحًا كبيرًا وقد تمت إعادة نشره وطبعه عدة مرات، وتم نشره أخيرًا لدى دار نشر هاربر كولينز Harper Collins الأنجلو أمريكية.

رواية يرويها بائع متجوِّل لا يستطيع القراءة والكتابة

ولن يجد القارئ الذي يرغب في البحث على شبكة الإنترنت عن معلومات حول العربي العياشي أو حول إدريس بن حامد الشرادي إلاَّ القليل من المعلومات. وربَّما يحصل على معلومة عابرة تفيد بأنَّه انتقل في آخر المطاف إلى الولايات المتَّحدة الأمريكية، وأنَّه نشر كتابين آخرين وأنَّه عاش باسمين مستعارين آخرين. ونتعرَّف بالإضافة إلى ذلك على أنَّه وُلد في العام 1937، وأنَّه كان يعمل عندما التقى بول بولز في عام 1961 بائعًا متجوِّلاً، ولم يكن يستطيع القراءة والكتابة.

وبول بولز لم يقل قطّ كيف تكوَّنت صداقته مع العربي العياشي، ولكن طبقًا للمصادر فإنَّ العربي العياشي كان يزور بول بولز كثيرًا. ولا بدّ أيضًا من أن تكون فكرة كتابة كتاب "حياة مليئة بالحفر" قد تكوَّنت أثناء واحدة من هذه الزيارات.

الكاتب الأمريكي بول بولز - دوَّن هذه القصة لصالح البائع المتجوِّل الأمِّي، إدريس بن حامد الشرادي وترجمها إلى اللغة الإنكليزية

المزيد


عبدالسلام بنعبدالعال

يونيو 16th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب, مقال

 "مُجتمـع الفُرجة

ليس من اليسير ضبط المعاني المعقّدة التي يعطيها جي دوبور Guy Debord لكلمة spectacle في كتابه الكثيف la société du spectacle الذي مازال يعدّ بحقّ أصلا من أصول كثير من التحليلات المعاصرة الماركسية منها وغير الماركسية. ولن يكون من السهل بطبيعة الحال نقل تلك المعاني المتشابكة إلى اللغة العربية. وإذا كنا قد جارينا الترجمة المتداولة للكلمة فلأنّها لا تبعد كثيرا عن بعض تلك المعاني. فهي تشير أوّلا وقبل كلّ شيء إلى "الانفراج" والابتعاد والانفلات الذي يطبع المجتمعات المعاصرة، فيجعل ما يعاش على نحو مباشر، يجعله مبتعدا منفلتا متحوّلا إلى صور وتمثّلات.

 

 

لا ينبغي أن نفهم من هذا الابتعاد أنّ دوبور يضعنا أمام الثنائية التقليدية التي تفصل الصور والمثل عن العالم المحسوس. وهو يؤكّد أنّه " ليس بإمكاننا أن نقيم تعارضا تجريديّا بين الفرجة وبين الفعالية الاجتماعية، فهذا التقسيم الثنائي سرعان ما يغدو هو ذاته منقسما متجاوزا". فالفرجة ليست مجرّد "مشهد" يُتأمّل، حتى وان كانت ترتبط عند صاحبها، كما سنرى، بالرؤية. ذلك أنّ الواقع الفعليّ ينبثق ويتجلّى في الفرجة، مثلما أنّ هاته تتمتع بواقعية فعلية. لذا سرعان ما يستدرك دوبور الأمر ليؤكّد أنّ الفرجة ليست مجموعة من الصور، وإنما هي "علاقة اجتماعية تتوسّطها الصور". وهي ليست شيئا مكمّلا ينضاف إلى العالم الفعلي، إنها ليست "ديكور" يزيّن الحياة الاجتماعية، بل هي " لبّ لاواقعية المجتمع الفعليّ". إنها العالم الذي تتحوّل فيه كلّ حياة إنسانية إلى مظهر..

 

 

 

المزيد


د.أماني سليمان

يونيو 11th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب

 نساء يركضن مع الذئاب

يحفر كتاب نساء يركضن مع الذئاب في أرضٍ موغلة في النفس الإنسانية البكر وفي الأسطورة والحكاية الجمعية التي تضيء مناطق قلّما عرفتها المرأة التي تعيش حاضرا حافلا بتفصيلات تضعها أحيانا في صلب الحياة وعِراكها، وتزيحها كثيرا إلى هامشها.

 

هذا الكتاب يتوجّه إلى المرأة في محاولة لإيصالها إلى قواها الوحشية، إلى أصولها الأسطورية التي تجعل منها ذئبة، بما تنطوي عليه هذه التسمية/هذا الحيوان، من قوى وشراسة وخطورة وتحدٍّ، وهي سمات تبدو في مجموعها ضرورية للمرأة لإثبات وجودها والبقاء على قيد الحياة في عالم الغاب.

 

رحلة أنثروبولوجية عميقة يجول فيها القارئ مع المؤلفة كلاريسا بنكولا ، ليجابه عوالم غرائبية، تنزع في نتائجها إلى بثّ الشعلة في دواخل المرأة لتنهض باحثة عن أصولها الذئبية، وبالتالي وقوفها ندّة لكل منافس على الكرة الأرضية، على أساس أننا - نحن النساء -وحسب كلاريسا بنكولا (وهي أخصائية في التحليل النفسي وقصاصة من سلالة إسبانية مكسيكية، تبنتها عائلة مجرية): نفيض شوقا وحنينا إلى الحياة الوحشية. بيد أن ترياق الحضارة لا يترك لهذا الحنين منفذا، إلا في القليل. تعلمنا أن نشعر بالخجل من مثل هذه الرغبة، تركنا شعرنا يسترسل ووارينا به مشاعرنا. غير أن ظلّ المرأة الوحشية ما يزال ينسل خلفنا ويكمن في أيامنا وليالينا. وبصرف النظر عمن نكون، فإن الظل الذي يهرول خلفنا، هو في النهاية يمشي على أربع (ص 7).

 

وتنطلق كلاريسا بنكولا في مقاربتها هذه بين الغابة والمرأة من أن الحياة البرية والمرأة الوحشية نوعان من الأجناس المعرضة للخطر، فمع مرور الزمن تبيّن أن الطبيعة الأنثوية الغريزية قد نُهبت وقُهرت وسُحقت، ولفترات طويلة لم يتمّ التعامل معها بشكل إيجابي تماما مثلما كان التعامل سلبيا مع الحيوانات المتوحشة والأراضي البرية. وأُهملت لعدة آلاف من السنين، وأُلقي بها وراء الظهور، ومن ثم تضاءلت، فنُفِيَت إلى أقصى مكان في الأرض الجدباء من النفوس. لقد انتُهكت العوالم الروحية للمرأة الوحشية على مر التاريخ أو أُحرقت أراضيها وجُرِفت بقسوة وأُجْبِرت الدوائر الطبيعية فيها على التحول إلى منظومات غير مستوية من أجل إسعاد الآخرين. غير أنه من الممكن استرجاع الحيوية الواهنة في النساء بالدراسة والفحص الدقيق لحفريات الأرواح والنفاذ إلى الحطام المتخلف عن العالم السفلي للمرأة. وبهذا يمكن الاهتداء إلى الطرق المؤدية إلى الروح الغريزية الطبيعية، ومن خلال تج

المزيد


أحمد فضل شبلول

أبريل 17th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب

 

 لحكايات الجدات تأثير بالغ في نفوس الأطفال، وخاصة عندما تلوِّن الجدة من صوتها، أو تخفض وترفع من طبقات هذا الصوت عند الحكاية الشفوية التي غالبا ما تستلهمها من الحكايات القديمة أو من حكايات ألف ليلة وليلة، أو حكايات كليلة ودمنة، أو الحكايات الشعبية مثل حكاية الأميرة ذات الهمة، أو حكايات أبو زيد الهلالي، والظاهر بيبرس، وعنترة العبسي وغيرها من الحكايات الشعبية والنوادر.

خمسُ ليالٍ من ليالي جدتي

يحرص عبدالحميد غازي في ‘ليالي جدتي’ على استخدام قناع الجدة ليصل إلى مخاطبة الأطفال بطريقة غير مباشرة.

 

هنا تأخذ الجدة التي يحبها ويلتف حولها أطفال العائلة، مكان الراوي الشعبي الذي يدور على المقاهي ويكون حاضرا بقوة في الموالد الشعبية، وغيرها من طقوس بدأت تنقرض الآن وخاصة في المجتمع المديني الذي اختفى فيه بالفعل ذلك الراوي، مثلما بدأت تختفي تدريجيا أيضا حكايات الجدات، فجدات اليوم لم تعد تحكين لأحفادهن مثل جدات الأمس، أو جدات الأجيال السابقة صاحبات الثقافة الفطرية، والتجارب الحياتية الطويلة.

كانت الجدة قديما تجلس إلى أحفادها، وتمارس طقوسها اليومية بعد صلاة العصر، فتحضر موقدها اليدوي الصغير وصينية القهوة الفضية مع آنية البن المذهبة، وتقوم بصنع قهوتها في تأن واستمتاع. ثم تبدأ في رواية القصص والنوادر التي تجيدها للغاية وتجيد تمثيل شخوصها بخفة ظل متناهية.

وهو ما سبق أن كتبتُه عن كتاب "حكايات جدتي" للأديبة الدكتورة هدى المكي التي قامت بتسجيل هذه القصص والحكايات والنوادر في كتاب يحفظها من الضياع، أو النسيان، في ظل عولمة شرسة تريد اقتلاع الإنسان من تراثه وماضيه، فيصبح ريشة في مهب رياح الغرب الأميركي، فيسهل التحكم فيه، وإخضاعه للنظام العالمي الجديد.

والشيء نفسه يمكن أن يقال عن كتاب "ليالي جدتي" الذي صدر هذا الأسبوع للكاتب عبدالحميد غازي تحت رقم 194 في سلسلة كتاب "قطر الندى" التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وترأس تحريرها د. زينب العسال.

في "ليالي جدتي" نقرأ خمس حكايات أو قصص: الصبي والخليفة، الصبي الشجاع، على أقدام كلب، الفرق بين المرتين، العلم أم المال؟ وكل حكاية أو كل قصة في هذه الليالي تزينها رسوم ولوحات الفنان علي دسوقي التي تجيء معبرة ومواكبة لروح القصة أو الحكاية، أو من وحيها.

وكل قصة تجيء بمقدمة تشرح حالة الشوق واللهفة التي تنتاب الأطفال كلما حان وقت اقتراب ميعاد الحكاية، فهناك حرص شديد من هؤلاء الأطفال، وهناك حالة تأهب كاملة للسماع والتنصت للحكاية، يوازيها حالة حب لتلك الجدة صاحبة الصندوق الذي لا ينفد من الحكايات والقصص والنوادر والخبرات، مثلما هو الحال لدى الجدة أيضا فهي في شوق لأن تحكي وتحكي لأحفادها.

إن الجدة تنقل للأطفال خبرات وحقائق مغلفة بالخيال والتشويق، تاركة لهم مساحات شاسعة من الأحلام والأماني والفكر، فمثلا في حكاية "العلم أم المال؟" ـ مع تحفظي على هذا العنوان غير الفني ـ تقول الجدة: قبل أن أحكي لكم حكاية الليلة سأسألكم أولا سؤالا أريد من كل واحد منكم أن يفكر فيه، ويجيب عليه، والسؤال هو: أيهما أفضل العلم أم المال؟

وهذا السؤال يكشف عن مدى حرص الجدة على أن يشارك الأطفال في اتخاذ القرار، وفي تصور أمور الحياة، وأيهما أنفع لهم، فالأطفال لم يعودوا مجرد متلقين سلبيين للح

المزيد


سليمان الشيخ

مارس 22nd, 2009 كتبها houratik نشر في , كتب

 

حكايات وأغانٍ شعبية فلسطينية

 قليلة وربما نادرة هي الــكتب التي كتب أو جمع الباحـــثون فيها حكايات وأغاني وألعاب وموسيـــقى وأمثال وغيرها من التراث «الفولكلوري» الفلســـطيني، وهي لمزيد الأسف أخذت تخبو أو تُنسى من ذاكرات كثيرة داهمـــتها النـــكبة، ووزعت أفرادها على بلدان طال الشتات فيها واستـــمر مقيماً ليصل الى ما يزيد على ستـــين عاماً، فمات بعضهم ودفنت معه حكايات ومكونات تراثية ربما كانت نادرة، وبعضهم أصابته الأمراض ولم تعد ذاكرته تحتوي إلا على وجع البعاد عن الوطن والأحباب، وتفاصيل عن الخيبات والهزائم، أو عن الأمراض التي غزته وتوطنت فيه.

مع ذلك فقد مثلت مجلة «التراث والمجتمع» التي صدرت في الضفة الغربية منذ سبعينات القرن الماضي دوراً مهماً في الحفظ والتسجيل والبحث والكتابة عن جوانب مهمة من التراث الشعبي الفلسطيني في جميع تجلياته وتكويناته، كما تولى فريق عمل متخصص تحقيق كتاب عن المكونات التراثية في بلدة ترمسعيا في الضفة أيضاً.

كما أن محاولة رائدة قام بها الدكتوران إبراهيم مهدي وشريف كناعنة والعشرات من الباحثين في جمع ودراسة وتسجيل ونشر بعض الحكايات الفلسطينية بحسب ما بقي منها في ذاكرات بعض كبار السن من الفلسطينيين، وصدرت في كتاب «قول يا طير»، وهو من الكتب النادرة والأشمل في هذا المجال. وصدرت أيضاً قلة من الكتب تتعلق بالأغاني والموسيقى والحكايات والأزياء والألعاب والأمثال وفنون شعبية أخرى، كما في الموسوعة الفلسطينية، وموسوعة الفولكلور الفلسطيني لنمر سرحان، والأمثال والألفاظ الشعبية الفلسطينية لحسين لوباني وغيرها.

أما المحاولة الموفقة الجديدة، والتي تمثلت بإصدار كتاب تحت عنوان «يا دارنا يمّ الشجر لخظر» فقد تولى «مركز المعلومات العربي للفنون الشعبية - الجنى» إصداره، وأشرف على إعداده الباحث جابر سليمان مع مجموعة من فريق عمل تولى جمع الحكايات والأغاني كما جاءت على ألسنة مجموعة من كبار السن في المخيمات الفلسطينية في لبنان، مع بعض الغربلة والتنقيح، أي أنه تم جمعها من «ذاكرة المنفى». احتوى الكتاب على كلمة تصديرية لمعتز دجاني المنسق العام للمركز، ومقدمة وتصدير للباحث جابر سليمان، ورسوم وإخراج الفنانين سحر برهان وسعد حاجو التي جاءت رسماته مع القصص والأغاني متلاقية مع إيحاءات نصوصها، ومحرضة لخيال الأطفال على التصور والمشاركة في التلوين والتشكيل.

توكيداً لأهمية جمع الحكايات والأغاني وإصدارها في كتاب، كما في هذا الكتاب، فإن الباحث السنغالي المهم في ميدان التراث الشعبي العالمي أمادو همباطي با، ذكر في كتابه «لا وجود لخصومات صغيرة» ان «موت أحد كبار السن يعتبر خسارة لمكتبة كاملة» أي أن ما تحتويه ذاكرة بعض النساء والرجال عن الشعب ومكوناته الثقافية يعتبر مكتبة كاملة، وفي حال عدم تسجيل تلك المكونات، فإن الخسارة لا تعوض في هذا المجال. خصوصاً في وجود تحديين في حياة الشعب الفلسطيني:

1 - توغل النكبة واستمرارها في حياة فلسطينيي الشتات، ما أخذ يعطل بعض الذاكرات عن التذكر، ويمحو بعضها الآخر، كما أن موت بعض الأفراد يُفقد خزين التراث الشعبي الكثير من المكونات.

2 - لجوء بعض الجهات الصهيونية الى الادعاء بأن بعض المكونات التراثية الشعبية الفلسطينية تعود إليها هي، وأنها من مكوناتها الخاصة، كبعد الأزياء والغناء والموسيقى والمآكل والحكايات وغيرها.

مجتمع زراعي: فماذا جاء في الكتاب؟

بما أن معظم رواة الحكايات ولدوا ونشأوا في مجتمع ريفي زراعي، خصوصاً من قرى وبلدات في الشمال الفلسطيني، لذلك فإن الحكايات والأغاني والألعاب نبعت من تصورات وتجارب وخبرات وواقع ووقائع من حياة تلك الشريعة من الفلسطينيين.

كما في حكايات «احصدوا وما تشنوا» و «غول النهر» و «الحمار الكذّاب» و «العجوز والكلب» وغيرها، أو في بعض الأغاني والألعاب، مثل: أغاني الغيثيات - أي الدعاء لله لنزول المطر - و «شتيلنا

المزيد


شاكر نوري

مارس 19th, 2009 كتبها houratik نشر في , كتبComments Off

حب سيمون الذي اخترق المحيطات

لم يكن الفيلسوف جان بول سارتر بالنسبة لسيمون دي بوفوار سوى رفيق درب، تربطها به علاقة فكرية.. قصة حب لا مثيل لها في تاريخ الآداب العالمية. ومن أجل ذلك، قصدت الولايات المتحدة من أجل أن تلقي سلسلة من المحاضرات طيلة خمسة أشهر أمضتها في «المنفى» بعيدا عن جادة السان جيرمان ومقاهيها الأدبية الشهيرة «لي فلور» و«دي ماغو» و«ليب».

عبرت الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار، صاحبة كتاب «الجنس الآخر» الشهير عن هذا الحب من خلال كتابة 304 رسائل حب إلى نيلسون اليغرين باللغة الإنجليزية، ترجمتها إلى الفرنسية سيلفي لي بون دي بوفوار، الصادرة عن منشورات غاليمار بعنوان «حب عابر للمحيطات»: رسائل إلى نيلسون اليغرين 1947 ر- 1964 . والتي تشهد على هذا الحب العاصف. وأصبح مؤلف كتاب «الحياة في الجانب الوحشي» الحب الكبير في حياتها لسنوات طويلة رغم ما يفصل بينهما وهو المحيط الأطلسي ولم يتمكنا من الالتقاء إلا مرة أو مرتين في السنة.

ولكن ما يؤسف له أن هذه الرسائل تبقى ناقصة بسبب عدم نشر رسائل الطرف الآخر في هذا الحب أي رسائل نيلسون اليغرين حيث أن الناشر الأميركي اعترض على نشر رسائل العاشقين مع بعضهما على الرغم من أن المترجمة تمكنت من الاطلاع عليها وترجمة بعض الرسائل إلى الفرنسية.

حب يشبه ما يدور في الروايات

إن ما جرى بين سيمون دي بوفوار ونيلسون اليغرين يشبه ما يدور في الروايات. جرى ذلك في عام 1947 في شيكاغو عندما كانت سيمون دي بوفوار في التاسعة والثلاثين من عمرها وكانت مع سارتر تشكل ثنائيا فكريا قل نظيره في تاريخ الأدب. وكانت ترأس تحرير مجلة «الأزمنة الحديثة» ولكن رواياتها لم تكن تصدر بعد مثل «المثقفون» و«الجنس الآخر» و«وقوة الأشياء» ولكنها لم تصدر إلا بعد هذا اللقاء العاشق. في عام 1947 كانت سيمون دي بوفوار قد ذهبت إلى الولايات المتحدة بدعوة من الجامعات الأميركية حيث أقامت هناك في يناير حتى مايو . وفي شهر فبراير ذهبت إلى نيويورك، إحدى صديقات نيلسون اليغرين، تدعى ماري غولدستين، اقترحت عليها المرور بشيكاغو وهناك تعرفت عليه. وهناك يصحبها إلى أعماق المدينة وحاناتها والحي البولوني فيها، ومن ثم تستقل القطار إلى لوس أنجلوس. وكان هذا ال«شيكاغوي» ? نسبة إلى شيكاغو ? يسكن في الحي البولوني، وهو من أبأس الأحياء.

هكذا وقعت سيمون دي بوفوار في حب نيلسون اليغرين، وهو شاب أشقر، طويل القامة، بعينين زرقاوين، سحنته تشبه الرجل السويدي، وهو مؤلف رواية «صحراء النيون» التي لم تقرأها سيمون دي بوفوار ولا تعرف عوالمها من بؤس الشوارع ومعارك حلبات الملاكمة وفتيات الليل. ويبدو أن نيلسون اليغرين لم يكن متحمسا للقاء هذه المثقفة الفرنسية. ولكن وكما يبدو أن هذا الكاتب، المضاد لسارتر في أفكاره، وبهيبته الجسمانية تمكن من غزو قلب سيمون دي بوفوار في لحظات ضئيلة. وفي المساء ذاته ولدت بينهما علاقة عاطفية. وقد أعجبت بطريقة حياة العزوبية التي يعيشها نيلسون اليغرين، وأسلوب الانتقال من حانة إلى أخرى. وهكذا بدأت أول خيوط الحب تنسج في قلبيهما ولكن هذا الحب كان جميلا وحزينا في آن واحد ترك آثاره على الكاتبين .. لذلك كانت تكتب له كل الأحداث التي تعيشها وتحسها ولا يمضي يوم أو ليلة إلا وتفكر به. وكانت في مرات تطلق عليه «زوجي العزيز». ومن الواضح أن سارتر لم يكن بالنسبة إليها زوجا بل رفيق درب وصديقا وكانت بينهما علاقات لم يكن أي شيء قادر على تحطيمها ألا وهي العلاقة الفكرية التي تتضمن الإعجاب والصداقة والفهم المتبادل والتواطؤ. وكانت تكتب لنيلسون اليغرين قائلة له «سوف لن ننفصل عن بعضنا. أنني زوجتك دائما».

شخصية باردة.. تكتب في لهيب العواطف

والمعروف أن لهذه المرأة قلما «جافا» وتتمتع بسمعة أنها باردة العواطف ومثقفة وذهنية ونسوية في نهاية المطاف. ولكنها في حبها لنيلسون اليغرين تكتب وكأنها فتاة شابة عاشقة عبارات مثل «حبيبي.. ليلا ونهارا، أشعر باني مغلفة بحبك، انه يحميني من كل الشرور. عندما تكون الدنيا ساخنة فإن حبك ينعشني وعندما تهب الرياح الباردة فهو يدفئني. وطالما تحبني فإنني لا اشعر بأان الشيخوخة ستصلني ولن أموت».

وهناك مقطع آخر تقول فيه: «نيلسون، يا نيلسوني، إنني أحبك … وأقبلك يا عزيزي مرارا. إنني افتقدك بحرارة كل يوم بل افتقدك في جميع الأيام حتى عندما أكون معك». هذه الرسالة ورسائل أخرى تكشف لنا عن امرأة متطلبة ولكنها في الوقت ذاته تكشف عن الاضطراب والقلق الذي تعاني منهما. إنها لوحة مثيرة قد تصحح لنا تلك الصورة النمطية التي تلقيناها عن هذه الكاتبة بل ان هذه الرسائل تكشف عن امرأة حساسة وكريمة أكثر من الصورة الأسطورية التي تكونت عبر كتاباتها وليست امرأة عنيفة بل طموحة وعقلانية وتسيطر على عواطفها ورغباتها. امرأة جريحة في صباها وتحب الحياة بعنف.

هل كان نيلسون اليغرين يرغب الزواج منها ؟

يقول لها في إحدى رسائله:  «في أحضانك عرفت الحب الحقيقي الشامل، الحب الذي لا ينفصل فيه القلب ولا الروح ولا الجسد بل يشكلون وحدة». ولكنها رفضت التخلي عن سارتر بل كانت تعتبره عائلتها الوحيدة. لم تكن قادرة على التخلي عنه والعيش

المزيد


التالي