رواية «ما بعد الحب»
تعلن رحيل إمرأة إلى منافي الغربة الموحشة.
«ما بعد الحب» هو العمل الروائي الثاني بعد «بنت الخان» للكاتبة العراقية هدية حسين وإن كان ليس للحب ما بعد، وما قبل، على مستوى الزمن في هذه الرواية، لكنه ينجلي بوضوح على جانب الحدث، والشعور بالعالم المتغير حول بطلة الرواية إذ لا يجسد الحب هنا كائنًا أسطوريًا عالقًا بين امرأة ورجل بل يتخذ أشكالاً هلامية متعددة تكبر وتكبر لتتسع وتشمل، الوطن، الغربة، المنافي، ووجع الانسلاخ عن الذاكرة، ما بعد الحب هنا هو ما بعد فقد الأحبة.
والرحيل عنهم، ما بعد التصميم على إيجاد رؤي بديلة لكل ما أحببناه من قبل بإمكاننا بسهوله أن نحلل رواية هدية حسين من عدة أوجه سياسية أو اجتماعية تصف كوارث شعب صار أبناؤه وقودًا لحروب متكررة بلا طائل سوى الرغبه بمزيد من الحرائق، إذ لا يشكل العامل السياسي والاجتماعي مسرحًا خلفيًا للحدث، بل يدخل في نسيج اللحم الحي للهيكل السردي في «ما بعد الحب»، إنها حكايا منسوجة بدقه ومتداخلة لتبدأ بالموت والغربة وتنتهي بالرحيل نحو مناف لن تشكل أبدًا أوطان بديلة إلا لأجساد تركت أرواحها معلقة في شوارع وأزقة الوطن لكن رغم كل هذا التشابك الضمني والمتواطئ بين العالم الخارجي، والكي??ن الداخلي لبطلة الرواية (هدى).
يبدأ الحدث الروائي (بالموت)، لتجد (هدى) نفسها في مواجهة فعلية مع واقعٍ فرض عليها استلام أغراض صديقتها (نادية) التي التقت بها في غربتهما المشتركة في (عمان)، وحتي حدث اللقاء هذا فقد تم مصادفة في سوق تجاري شعبي، ولم يمهد لتكوين أحداث مشتركة بينهما إلا من جانب ذكريات هدي التي تسردها بعد موت (نادية)، وفي العودة للحديث عن المقطع الأول من الرواية البادئ بالموت وبأخذ أغراض (نادية) يمكننا القول أن هذا المطلع المكون من عده أسطر يمتلك مفاتيح السرد، وسائر التفاصيل التي تنبني عليها سيرورة الأحداث تقول: هذا كل شيء .
حقيبة يد من الجلد الصناعي تحتوي على جزءين ذوي جيوب متعدده ودفتر صغير بحجم الكف لكتابة الملاحظات السريعة والعناوين، بنطلون جينز، معطف طويل، أربعة بلوزات صوفية، ثلاثة قمصان، مجموعة كتب أدبية، وأخري عن العراق أثناء وبعد عاصفة الصحراء، دفتر كبير لكتابة المذكرات، طاسة بخارية تحتوي على قواقع وخرز ملونة، وحصي غريبة الشكل لا أدري من أين جلبتها (نادية).
ينهض هذا المطلع ليقدم لنا عالمين، يبدوان متناقضين ظاهريًا لكنهما يتحدان في مجري واحد بعد أن يسلم الأول للثاني خلاصة كيان حياتي كامل، وتنهض ذاكرة نادية هنا من العدم، في يقين سلبي من القارئ أنها النهاية الفرضية التي اختارها لها القدر للموت في حادث سير عابر.
لكن هذا الغياب الجسدي والرحيل النهائي يظل مستمرًا في حياة (هدى) إنه يتشكل بعمق عبر مجموعة الأشياء التي دخلت عالمها في شكل إرث حي مكون من (مذكرات، كتب، وتفاصيل أخري) يبدأ التجلي الأنثوي لحكايا نادية منذ اللحظة الأولي التي تبدأ فيها (هدى) بقراءة مذكراتها مؤكدة بذلك على وجودها الزاخم والمكثف في قلب النص ونسيجه، وفي ماضي (هدى) وحاضرها كما سيتضح فيما بعد، إذ تبدو (نادية) الغائبة الحاضرة امرأة من لحم ودم قادرة على الرفض والقبول، ثم التمرد بعنف على فعل قراءة المذكرات من قبل (هدى).
بإمكاننا إذن أن نأخذ الذاكرة الأنثوية الفاعلة على اعتبار انقسامها إلى قسمين، أحدهما وجد في زمن ماضٍ، ويلقي بآثاره على حاضر مضارع بهدف ضمان مكان مناسبٍ للإرث الحياتي المنتهي فعليًا والمستمر وجدانيًا، أما الآخر فتجسده (هدى) بكل ما تحمله من معاناة غربة وفقد ووحدة
الأنوثة كفعل مقاومة
ترتبط (نادية) مع (هدى) في علاقة صداقة تمتد لزمن مشترك حين كانتا تعملان معًا في مصنع (الأمل) الذي تصفه الكاتبة بقولها: «لا أمل في مصنع الأمل» مجموعة نساء يبحثن عن لقمة عيش مغمسة بالذل بعد ضياع الفرص وطول الحصار وخراب البلد، ربما أشباه نساء خلف ماكينات


































