كتابة الحجارة في ديوان " هناك تبقى "
في ظل حرصي المعرفي الشديد على متابعة ما يكتبه الشاعر والمفكر محمد بنيس، وفي ظل ذلك القلق الوجودي لاختبار أسئلة الذات ومدى قدرتها على استيعاب والتقاط الأسئلة الوجودية المتمخضة عن واقع لا يفتأ يغير وجوداته ، اقتنيت ديوان الشاعر محمد بنيس" هناك تبقى" اقتنيته بذلك الشغف المدرك أن الديوان/الكتاب الذي اختطف العين والسؤال لا بد أن يحوي الجديد، لابد أن يمنح الذات بغيتها الباطنية، وولعها الشديد بكل معرفة تغني الأعماق وتمنح الذات آفاق جديدة للتفكير ، للتأمل وللكتابة." هناك تبقى".. الكتاب أحضنه إلى صدري ، أحضن معلرفته الصعبة التي أنا مدركة أنها ستستفزني ، ستدفعني حتما للتفكير ، ستدفع الجسد لاختبار معرفته وهل مازال قادرا لتلقي تلك المعرفة الباذخة التي ما فتأ الشاعر محمد بنيس يعود بها من رحلاته الأورفيوسية. " هناك تبقى" يستفزني العنوان ، يطلق قداحة الأسئلة. للوهلة الأولى تضيء جملة هلدرلين: مايبقى يؤسسه الشعراء" هناك تبقى وتلك إقامتك حيث مايبقى يؤسسه الشعراء، اختيار الإقامة والسكن في تلك الهبة الصعبة التي تجدد نفسها باستمرار والتي لا تكف عن المخاطرة لانتزاع القول من قلب العتمة والصعب الانقيال." هناك تبقى" في هذه الحركة المكوكية بين الذهاب والعودة، حيث فعل المخاطرة يستبطن الإضاءة، إضاءة العتمة، إضاءة المجهول وترجمة النداء في فعل صيرورته اللانهائية. ملغزة ، محيرة كلمات محمد بنيس، متفردة خارج الطرق المطروقة والقواعد التقليدية، من هنا تأتي صعوبة الاقتراب منها ، صعوبة استسلامها لقارئ كسول غير متمرن على ركوب الصعب ومحبته لصعوبته ولاستعصائه. إنها لا تشبه أحدا ، مختلفة ومتسلحة بمعرفتها، تحفر بتؤدة لترتوي من منابع هي وحدها قادرة على اكتشاف مخابئها الصعبة لأنها تأتي حتما من مكان خارج المكان، من رغبة متعطشة لإشباع رغبة مجنونة لاختراق الحدود. حدودها الشخصية وحدود العالم، رغبة للتعبير عما يصعب قوله من الفكر بطريقة ، بلغة وحده بنيس قادر على نحت اختلافها ويتمها في ظل ثقافة التقليد والتكرار واجترار النموذج الأب.
أفتح الديوان / الكتاب إذن ، يطالعني عنوان القصيدة الأولى، "أحجار وحدها"، بسرعة البرق يلمع اسم إدموند جابس ، أقرأ القصيدة أعيد قراءتها ، أعود لإدموند جابس وكتابه:" كتاب الهوامش" وفصل " أبدية الحجارة" عند روجي كالوا، يكتب روجي كالوا عن الحجارة" أتكلم عن الحجارة الأكثر قدما من الحياة على القارات المتجمدة. عندما كانت تملك الحياة ثروة جعلها تتفتح ، أتكلم عن الحجارة التي لا يمكنها حتى انتظار الموت والتي لا تملك سوى جعل الرمال تنساب على صفحتها، ووابل الأمطار أو ارتداد الأمواج والعاصفة والزمن" أقرأ قصيدة بنيس وأفكر:
" معي حجر
تكون ليلة سرب
من الأحجار وجه
وحده يمتد في أرض هي الصحراء
لي أوراق نائمة على كتفي
سأتبع قلت
رعشتها
على جلد الرمال تكاد تهرب
كلما اقتربت يداي
من النعومة تحت
ضوء خافت
يسري بطيئا يقطف الغيمات من رمل إلى سعف
تجمع في سواد الليل
….
تخلخلني القصيدة ، تصدم أفق انتظاري ، تملؤني بوابل من الأحاسيس المتضاربة ،المتوترة المتسارعة محاولة ترجمة هذه الحيرة وهذا الإحساس بالصعوبة وأعيد القراءة عل خيط معنى أو ضوء ينير الصعوبة وحرقة التقاط كلمة تقول الصعوبة المترنحة بين ضوء يتردد في الانبلاج وظلمة تتسلح بالعصيان.
مستعصية القصيدة كاستعصاء الحجارة على الاختراق ، تنمو في مسافتها الصعبة كالنجمة ، تقطن في فعل الرجاء ورغبة الإضاءة، وكأنها القصيدة/الحجارة اخترقت وواجهت فضاء شاسعا لتصل إلينا حيث هذا الكلام القريب البعيد في نفس الآن، الأشد قربا وكأنه آت من أعتم نقطة في الأزمنة، حيث الاستمرارية في القطيعة فينمحي كل شيء وتعاد ولادته في البداية. ولن تكون تلك الاستمرارية سوى ذلك البوح لاندفاع أعمى في اللامرئي، لإرادة لا مثيل لها في الاستمرار وإكمال الدورة.
نكتشف في قصيدة بنيس تلك الحياة التي تملكها الحجارة في صمتها المموه ، وفي جمودها الذي يخون. يقول في قصيدة" داخل":
ما الذي فوق-بين الحصى
يتنفس تلك
طريق تدل يدي
أن ما لست أعرف أبلغ من كل



































