عزة المقهور

أبريل 21st, 2009 كتبها houratik نشر في , قصة

لوحة من الحي اللاتيني

 

إلى عصام….. مع المودة

لفظت محطة مترو "سان ميشيل" فتاة نحيفة تميل إلى القصر، تلتف بمعطف أسود يصل إلى أسفل الركبتين بقليل، تثني حاشية يديه إلى الخارج لتظهر بطانة المعطف رمادية منقطة بالأسود، فتعطيها مظهراً أكثر أناقة.

تصعد بخفة نحو قمة الشارع الطويل المتجه صوب حديقة اللكسمبورغ، تتوقف بغتة عند منتصفه، تستدير إلى اليسار حيث الساحة المربعة بشكل متقن، تحفها من اليمين واليسار مقاه، تزينها صفوف من الطاولات والكراسي الفارغة.. كان الوقت مبكراً والجو بارداً، ومرتادوها يتزاحمون بالداخل، يتجرعون القهوة الاكسبرسو على عجل

وعلى غير عادتها، لم تمعن النظر طويلاً  في المقاهي، كانت عيناها مصوبتين بخط مستقيم إلى صدر الساحة، إلى ذلك المبنى الضخم الذي يسد الساحة بالعرض، ولا يترك لها من مخرج إلا من جانبيه الضيقين..إنه.. "جامعة السربون"..

لطالما حلمت بالدخول إليها.. وكانت كلما دلفت إلى الحي اللاتيني ووطأت قدماها ذاك الرصيف الممتد بطول شارع "سان ميشيل"، تتفادى الانعطاف نحو تلك الساحة بالتحديد، حيث تعج بالشباب.. يغلقون أصابعهم على حقائبهم الملتصقة بجوانبهم، أو يحتضنونها، أو يسندونها بين دفتي أقدامهم… البعض منهم يرمي بها إلى خلف كتفه ويده ماتزال تقبض عليها، أو يعلقها من حزاميها على ذراعيه لتتدلى على ظهره. كانوا يتبادلون الحديث وقوفاً بشكل ثنائي أو جماعي، يتحلقون حول الطاولات يتسامرون لتعلو أصواتهم وضحكاتهم، أو تتماس جباههم وهم يتهامسون.. أو تتناثر كلماتهم وتلوح أيديهم في الهواء وهم يتناقشون بجدية..أو يتبادلون القبلات وهم يلتقون أو في سبيلهم إلى الافتراق.

كانت تقف، وبعينين راصدتين، تلتقط تلك الصور، حتى تكاد أن تميز بعض الوجوه، بل يخيل اليها أحياناً أنها تلتقي بها في أماكن أخرى بذات الملامح، وتصفيفة الشعر، أو حتى النظارات الطبية المستديرة التي لا تزيد العيون إلا وضوحاً.

كانت تشعر، كلما مرت بجوار تلك الساحة ورغبت في الاستدارة نحوها وشقها، بقدميها ترفضان الانصياع لها، تدفعانها إلى السير باتجاه واحد لا غير، خط مستقيم ينطلق من محطة مترو سان ميشيل حتى محطة مترو اللوكسمبورغ دون أن يتفرع إلى اليمين نحو تلك الساحة!

 لم يكن الوقت قد حان بعد.. كانت لاتزال تتلمس قواعد اللغة الفرنسية المعقدة وتتساءل لماذا يطلق الفرنسيون على الرجل صفة جميل بذات النطق الذي يطلق به على المرأة ، بينما اللغة الفرنسية المغناج قائمة على التذكير والتأنيث؟ كانت ما تزال تجد صعوبة في التفرقة بين نطق ضميري الغائب "هو" و"هي" ، وكلما صعدت أو نزلت شارع سان ميشيل، تبتهل إلى الضميرين المتشابهين وهي تطبق عينيها وتعتصر يديها بقوة. كانت وهي تمرر أصابعها على مفاتيح اللغة، تحاول بصبر فك طلاسم بودلير ورامبو، وتقرأ كتاب "كلمات" لجاك بريفير.. وتردد عن ظهر قلب "أنا كما أنا، هكذا خلقت…." ، وتتغنى بأغاني جاك بريل….

في ذلك اليوم.. كانت تسمع صدى خطواتها تقرع بقوة ذاك الشارع الذي عبرته عشرات المرات، أخذت ذات الاتجاه المستقيم، لكنها ما إن توسطت الشارع، حتى انعطفت دفعة واحدة إلى اليسار، كانت تشعر بقدميها تدفعانها، وبقشعريرة ترتجف لها أوصالها، أوعزتها في تلك اللحظة إلى برودة الصباح الباكر.

شقت الساحة بسرعة.. اتجهت نحو المبنى العتيق الذي يتربع على ضلعها، وقفت لثوان أمام الباب الخشبي القديم المطعم بمربعات من الزجاج حتى منتصفه. دفعت الباب… أحدث ضجة ولم يحرك ساكناً، تراجعت يدها عن الباب، وخطت خطوتين إلى الوراء…عندها فقط وقعت عيناها على لوحة معدنية ذهبية على حافة الباب أسفل المقبض الذهبي منقوشا عليها بالخط الأسود العريض (اجذب)، انصاع لها الباب ليناً دون أن يحدث أي صوت. ما إن وضعت قدمها على الأرض الصلبة حتى شعرت بأنها واحدة من ملايين دلفوا ذات المكان، كان البلاط صلباً ومجوفاً.. وجدت نفسها و

المزيد


غازي القبلاوي

أبريل 1st, 2009 كتبها houratik نشر في , قصة

قليل من الدفء

 

 

تختلط رائحة العرق بالكحول، برطوبة دبقة، الاضواء تتلاحق في ألوانها الحمراء والبنفسجية، تتلوى تحتها كافعى، ينقبض جسدها بجنون شهواني، تتكشف اجزاؤها بلا مواربة ولايسترها سوى خيوط دقيقة عند التقاء الفخذين، ينز جسدها عرقاً ويلمع عن مجرى يمتد ما بين نهديها حتى سرتها التي لمعت بقرط فضي مغروس في حاشيتها.. يرتج المكان من وقع اهتزازات مؤخرتها المشدودة، يتوهج فوقها وشم لجناحي ملاك ناري، تتلاحق الالوان ويرتفع صوت الموسيقى بايقاعها المتعدد الاعراق، يرتفع النبض مع الايقاع ويزداد اقتراباً من الذروة ولكنه لا يصل. لا يستطيع ان يلمسها، فقط تلاحقها الاعين. تلمس الشفتين، الرقبة الطويلة، النحر الناعم، حتى خصرها الدقيق ويتلاشى البصر عند تلك النقطة المختفية وراء نقابها الشفاف مشرعة للوهم مساحة لرسم الصور. يرتفع الصخب مجدداً وتظهر في الصورة اجساد اخرى، سيقان عاجية ترتفع في الهواء، تحوم فوقه، تلتف حول رقبته، تخنقه برحيقها المدفون في الغياب، ترتفع اصوات اخرى، اصوات غليظة، وتظهر الصورة من وراء الاضواء والعتمة، رجال يجلسون على الارائك الجلدية الداكنة يلاحقون الاجساد العارية بحياء.. اجساد بيضاء.. سمراء، سوداء، تتشابه جميعها في هذه الظلمة المتوالية بسرعة.. فجاءة تتوقف الاجساد عن الحركة وتتوقف الاضواء عن التراقص وتتوقف الموسيقى.. وترتفع اصوات الرجال بصخب مطالبة بالمزيد من..

-         اوي.. ماذا تفعل هنا.. ألم توصل الاكل الذي طلبناه.. عد إلى جحرك، لكي تشاهد عليك ان تدفع اولاً.. عد إلى بلادك أيها الابله..

 

 

صوته الغليظ.. ووجهه الاغلظ جعله يعود من رحلته المكبوتة.. اسرع بالخروج من القبو الذي يشغله المهلى الليلي.. صاعداً الدرج الضيق إلى الشارع المزدان باضواء عيد الميلاد ورأس السنة، تلسعه رياح الشمال مخترقة جلده الصحراوي الاسمر.. تمتم وهو يعود إلى داخل المطعم  الذي يعمل فيه " قليل.. قليل من الدفء.."

 

** ** **

اشعل سليم عود الثقاب الاخير وقرب اللهب من طرف سيجارته الملفوفة، فمنذ مدة وهو يحاول ان يقلل من عدد السجائر التي يحرقها كل يوم لا خوفاً على صحته وانما لارتفاع اسعار ماركته المفضلة من سجائر المارلبورو الحمراء. سحب نفساً من سيجارة اللف بينما كان يجلس على برميل زيت الطهي الفارغ في الزقاق الخلفي للمطعم.. حاول ان يتلذذ بنفس السيجارة الاول إلا أنه سرعان ما اخرجه وبصق على الارض المبلطة الداكنة وتمتم بصوت مسموع.

 

 

-         تباً.. مذاقها مقزز.. كان بالامكان اضافة قطعة من الحشيش إليها ليصبح لهذا العذاب طعم مختلف..

 

لم يتوقف سليم عن كيل الشتائم لكل ما يحدث حوله منذ ان وطئت قدماه انجلترا ومن ثم استقراره بمدينة مانشيستير محاولاً أن يجد وسيلة للإستمرار والتنفس.

عندما وصل أول مرة اعتقد انه نجح في الهرب بمسافة شاسعة من شوارع وازقة حيه بطرابلس التي لم تلمسها يد القدر لكن امله خاب عندما وجد نفسه يقترب من الازقة المظلمة ومن روائح الشحم الحيواني المتعفن ودبق الزيوت على ارض هذا الزقاق.

لم يعتقد أنه سيحتفل بعيد ميلاده الاربعين وهو يرتدي قميصاً لم يغسل منذ اسابيع ويعتمر قبعة ملونة ببلاهة، لو رآه اي من اصدقائه القدامى بهيئته الحالية لاصبح موضوعاً للتندر وتزجية الوقت تحت عمود الكهرباء في شارعهم.

رمى سليم بعقب السيجارة على الارض ولم يعبأ بسحقها بحذائه، وحدث نفسه "ليذهبوا إلى الجحيم يكفي أن اولئك الاوغاد يحسدونني على وجودي في هذه البلاد ويتمنون ألف مرة أن يكونوا مكاني.."

قطع تفكيره صوت جهوري ينادي عليه في الجانب الامامي من المطعم.

-         اوي.. اين انت يا صاحبي..؟!!

سارع سليم بالدخول إلى المحل مغلقاً الباب الخلفي وراءه حتى وصل الواجهة الامامية ليلمح (توني) أحد أفراد الحراسة الخاصة بالملهى الليلي المجاور للمطعم.

كان (توني) شاباً قصير القامة، غليظ البنية يرتدي بدلة حراس الملاهي الليلية السوداء، حليق الرأس ويتحدث بلهجة شمالية خشنة، وإلى جانب عمله في حراسة نادي التعري في عطلة نهاية الاسبوع فإنه يعمل مع البلدية في تسجيل ومخالفة السيارات، كما أنه وكحال جميع من يعملون في مهنة الحراسة، عضو في عصابة لتهريب التبغ والمخدرات والاسلحة البيضاء.. سلم (توني) على سليم بحرارة وتابع قوله:

-         كيف حالك يا صاحبي.. وكيف هو العمل ؟!!

رد سليم بانجليزية تشوبها لكنة ليبية واضحة:

-         لا بأس.. وكيف هو العمل معك أنت كذلك؟!

أجاب توني بحدة:

-         العمل إنه كالخراء..!! ابناء العاهرات يسرقون جهدنا كل يوم ولكن ما العمل..؟!

قطع حديثه المسترسل فجاءةً ليتابع..

-         هل من الممكن ان تعد لي بتيزا حجم 9 بوصات بالصلصة والجبنة فقط، فأنا جائع منذ الصباح وها نحن نقترب من السابعة مساءً والطقس كالخراء اليوم.. سأرجع بعد خمسة دقائق لاخذها.

اخرج ورقة عشرين جنيهاً واعاد سليم له باقي المبلغ ليتابع عمله في اعداد الطلب بشكل تلقائي، فقد مضى عليه في هذا العمل اكثر من عشر سنوات حتى اصبح يتقزز من منظر البيتزا عندما يراها في المحال الاخرى ولا يستمتع باكلها اطلاقاً.. فتح الفرن لتلفح وجهه الحنطي حرارته التي ذكرته بحرارة يوم صيفي في طرابلس، احس حينها بطعم الغبار والعجاج يترسب في حلقه.

** ** **

لم يخطط (توفيق) باخذ قيلولته في المطعم هذه الظهيرة فهو لم ينم منذ البارحة، والمكان الوحيد للراحة هو مخزن صغير بعلية المحل بالكاد تستطيع التحرك فيها مقرفصاً. استلقى على ظهره فوق الارضية الصلبة محدقاً في السقف محاولاً تناسي رائحة الغبار وبقايا دخان الشواء والطهي، لم يتبق من التفاصيل الصغيرة سوى بعض الاهتزاز ليعود إلى قريته بضواحي بريشتينا بكوسوفو. محتمياً من هجمات جيرانه الصرب.

مضى عليه الآن عشر سنوات في مدينة مانشيستير، لجأ أهله إلى ألبانيا المجاورة في بداية الحرب أما هو فقد تسلل عبر كرواتيا إلى ايطاليا ومنها وصل إلى فرنسا وبينما رجع من يعرفهم إلى كوسوفو مع عودة الاستقرار للبلد إلا انه تابع طريقه شمالاً وكأنه يهرب من صوت القصف والمدافع، في فرنسا اشترى بطاقة هوية ألمانية مزورة وقطع القنال الانجليزي ليصل لندن ومن ثم ذاب في فوضى المدينة المتناقضة. وكأن مزيداً من الشمال سيخلصه من حزنه وسيقربه من بيتهم الريفي ليجد نفسه في مانشيستير وفي علية المطعم يتنفس الغبار وينتظر ان تحين فرصة لشمال جديد.

تنامى لسمعه صوت السلم المعدني وهو يوضع على حافة العلية وصوت خطوات ترتفع على الدرجات. ظهر رأس يعتمر قبعة، لم يتبين (توفيق) في استلقائته المعتمة من يكون صاحب الرأس. فجأة غمر الضوء المكان وتبين (توفيق) صوت سليم وهو يقول:

-         توفيق.. توفيق.. هل مازلت نائماً ؟! هل تعرف اين اجد نقوداً معدنية؟! هناك زبون في انتظار أن ارجع له باقي ما دفعه ولا اجد ما يكفي من القطع المعدنية في الخزينة. انه ينتظر منذ وقت طويل.. لقد اشترى بيتزا سبعة بوصات وسندويس دونير كباب وعلبتي مشروب..و…..

-         حسناً.. حسناً.. يا الهي ألا تتوقف قليلاً لتأخذ نفساً، سوف انزل.. قاطع توفيق بحدة حديث سليم المتواصل وجلس متربعاً، مسح وجهه بيديه عدة مرات ثم نظر بعينين مجهدتين إلى المصباح المتدلي من السقف بالقرب منه فاعماه الضوء الباهر.. انتقل بصره إلى حافة فتحة الخروج في الارضية ليجد رأس سليم ما يزال يحدق به. صاح

المزيد


رضوان أبوشويشة

فبراير 24th, 2009 كتبها houratik نشر في , قصةComments Off

فراغ الجيوب

 

 [إلى محمد قبرطاي الآبد فى محبتنا و ضحكنا ]

    بعد ليلة من الرسم   والكلل  والملل..غادرت  الكدوة إلى طرابلس …

فى دار الفنون ما  تزال لوحاتى تنتظر متحف الفن الليبي الحديث الذى يوجد فى كل الأوطن على هذا الكوكب

 إلا فى ليبيا ..التى  شهدت إكتشاف االاٍنسان  للشعور والفن والدين فى تادرارت أكاكوس ..  قبل آلاف  متطاولة من السنين …

…ولأننى لا أملك نقدا ..مشيتُ مع  رسامة رقيقة الحال ..من شارع  7 نوفمبر الى  ميدان الشهداء…

…وعند نافورة أفراس البحر  نظرنا  بحزن إلى التحفة الفنية  العريقة المتكسرة الزعانف ..والمبتورة الأرجل ..بعد أن صدمتها السيارة الفارهة القادمة من شارع الوادى بسرعة الاٍعصار بقوتها الحصانية الهائلة.. التى تعبّ البنزبن …

المزيد


نجوى شعبان

فبراير 15th, 2009 كتبها houratik نشر في , قصة

 

 

 

الفصل الأول- جزء ثان

 

إهداء  إلى الغالية  : إحسان فهمى

قالت إيزيس : ” أنا ما كان ، وما هو كائن ، وما سيكون.. وما من إنسان بقادر على رفع برقعى

أليست ” الحقيقة ” نفسها كذلك ؟

معظم التاريخ ظن وتخمين والبقية الباقية تحامل وهوى “             ديورانت

( مفتتح )

يسأل غريب عن الطريق إلى باب الحرس ، يرد الدمياطى بترحاب : عليك أولا أن تمر بجامع المطراوى .. وما إن سمع المارة الكلمة “جامع المطراوى” حتى وقف أحدهم وسدد لكمة حانقة إلى فم من نطق بها.

كيف لا ؟ وهم ما هدموا قصر المطراوى ، وشيدوا مكانه جامعا إلا لتتوارى فى البعيد سيرة المطراوى إلى الأبد.

لكن ظل الناس يشيرون إلى التبة بحذاء النهر حيث كانت أبواب قصر المطراوى تطل على النيل مباشرة بأنه شارع المطراوى ، حتى نهاية القرن السادس عشر.

عندما أستحدث لقب الشهبندر ، أطلق الناس على ذلك الموضع اسم شارع الشهبندر تارة وجامع اليقين والتقوى تارة أخرى.

استغرق الأمر مائتى عام حتى صار الناس يدلونك على الوكالات التجارية بقولهم (عليك أن تتخذ يمينك حتى تصل إلى جامع التقوى) أو ( فى خلف جامع اليقين ستجد وكالات قصبة الثغر).

هكذا وبتسويف شديد ، انمحى من ذاكرة الناس وببطء النسيان نفسه ،اسم المطراوى كبير تجار دمياط حتى يحل محله أو محل قصره “جامع اليقين والتقوى“.

اقتضى النسيان أجيالا فقد كان الناس يحبون المطراوى لإحسانه ورقة قلبه وإحساسه بالفقراء منهم ، صحيح أنه كان يسرقهم باعتباره أكبر التجار ، لكنه الوحيد الذى رأوه يعيد بعض ما سرق حيث يتصدق ويحسن وينشئ بعض المرافق لهم.

لما عرف الناس دخيلة المطراوى بعد موته ، وقعوا صرعى ما بين حبه والاستياء منه ، كلمة الاستياء طفيفة قد لا تقترب من المعنى الذى يدل على حقيقة مشاعرهم ، ربما كان الكره هو الوصف اللائق الذى يشعرهم براحة ضمائرهم حيال آثام المطراوى .

تساوى فى التأرجح بين الحب والاستياء الكاره :المسلمون والأقباط ، مسيحيو الشام والأرمن وأوربا ، وكذلك اليهود والسريان فى هذه المدينة العتيقة ذات الثغرين.

 الفصل الاول

 لكز شيخ طائفة الكحكيين حماره :” همم ..يا حمار ، الطريق من المنشية لسوق الحسبة طويل ، لازم أوصل للمحتسب قبل صلاة العصر” .. قلقا من تضييق المحتسب عليه بأوامر ونواه عن كمية الدقيق المسموح بها للكحكيين ، وعن مقادير صنع الكعك والقُرصة والغريبة ، وأوزانها ، ونوع الزبد أو الزيت ، والنقوش على الكعك .. حتى النقوش بات يتدخل فى كيف ترسم ولم يكفه اتفاقه مع صناع المناقيش على رسم الهلال :الراية السلطانية ، لينقش بها كعك العيد.

يشق الزحام واجما ، لا يخامره استبشار بالخير ، ربما يومئ المحتسب باستدعائه إلى وجوب تقديم هدايا وتقدمات عينية مقابل تساهله معهم فى الأسعار والأوزان.

كان لابد أن ينتظر حتى ينهى المحتسب أموره مع موظفيه وشيوخ بعض الطوائف ، وتحدث خلالها مع نائبه ” شاد الدقيق” الذى يشرف على كل صغيرة وكبيرة تخص عجين الخبز والكعك ، انتظر أيضا حتى فرغ من صلاة العصر فى الجامع القريب وعاد .. فقط عند المغرب ، مثل بين يدى المحتسب الذى دفع إليه ببضع قطع من الكعك ، قال : انظر

أخذها شيخ الطائفة فى كفه كأنما يزنها ، يفتت جزءا من الكعكة ليعرف مدى الإلتزام بالمقادير وبأنها ليست متحجرة ، تذوب بضغط خفيف بين أسنانه ولسانه.

زعق المحتسب : قلت انظر

هنا فقط تنبه : ماذا؟ .. فرك عينيه ليزداد وضوح المنظر على وجه الكعكة ، ثمة راقصة تتعرى جزئيا فى رقصة النحلة ، رفع حاجبين مندهشين إذ أصابه خرس مباغت ، عندئذ دفع المحتسب إلى كفه بأخرى وأخرى : رجل يخاصر امرأة ، جسد أنثوى فرعونى عار ، غزالة وآيل فى عناق لطيف ، ملك وملكة من الفراعين فى قبلة.

-انه لفسق ..تمتم شيخ الطائفة

إنفراجة ضيقة لشفتيه ، ورعشة فى لحيته :” فسق ، فسق ” وكأن حبات مسبحة فى ذهنه تتبارى كى يبرأ مما رأى.

فى دفاع أخير عن نفسه أحنى جذعه ، وجرَّ ساقيه للخلف متقهقرا : سيكون الفاسقون بين يديك فى بحر يومين ، يومين فقط.

انزعج المحتسب من كم الهرج والمرج والاختلاط غير المحتشم بين الرجال والنساء فى الطرقات والأسواق خلال أيام عيد الفطر الفائت ، ذلك المرح الهيسترى ، والتهتك المكتوم .. كان الشباب يتداولون المعجنات بحس تواطؤ رجيم ، وعيون بها لمعة رضا وشهوة لم يكتملا .. اشتكى الشيوخ ، وجاءته إخباريات من قرى البسارطة ، طرانيس البحر ، السنا نية ، عزبة البط ، عزبة النسوان ، عزبة البرج ، شرمساح ، محلة انجاق ، محكمة القنطرة وسوق الخواصين وغيرهم.

كان موسما طيبا للكحكيين ، الذين حاول صغارهم تقليد هذه المناقيش بطريقة فجة ، ليست لها غواية المناقيش فى الأحياء حول الثغر ، ليست لها الرشاقة والشحنة الحارة كعطر معتق لأجسام ينبغى دوما أن تختفى تحت ستائر سميكة.

لم يبحث شيخ الطائفة كثيرا ، فسرعان ما أشارت أصابع المتنصلين من هذا الانحلال إلى أشهر وأمهر كحكية فى بر دمياط المحروسة كلها: ليل بنت السيد بصل.

ردد الشيخ : ليل .. هذه العانس ؟!

قال لها : بالطبع ستتبرأ منك الطائفة ، ويتم تجريسك على حمار يمشى من الشيخ درغام وحتى جامع البدرى قبل سجنك .

نظرت له هادئة وقد تغضن جانبا عينيها ، ليعطيا ابتسامة عينيها جاذبية ملغزة ، مدفوعا لفهم لا مبالاتها غير المستفزة واستكانتها الطبيعية ، قال: تجلبين العار لنفسك واخوتك هؤلاء الذين قمت بتربيتهم وحدك.

لم يصدق نفسه حين سمع منها صوتا محايدا : اعتبر أننى لم أفعلها

- هكذا !! دون ثمن

- طلباتك؟

- تلبسين ملابس تحضرها لك جاريتى السوداء ، وتضعين برقعا ثقيلا ، وتأخذك الجارية إلى حجرتها .تراكمت مشاعر التوجس والتشاؤم لدى ليل حين جاءتها جاريته السوداء ، رأتها موصولة الحاجبين ، وبرغم جمالها تذكرت ليل ما قالته أمها ، إن الحواجب المقرونة دليل الحسد ، حممتها الجارية بنفسها مستخدمة قشور الرمان لتنظيف جلدها وتنعيمه ، والريحان لصفاء بشرتها وازالة رائحة العرق ، جدلت مع شعرها ضفيرة واحدة سميكة وبعض الحلى الرخيصة ذات أجراس صغيرة بعدما ضمخته بدهن الماعز وخشب الصندل.. انساب شعر ليل إلى ما بعد خصرها ووضعت على رأسها عمامة من الشاشات الملونة فى شكل كعكة وأمالتها الى الجانب الأيمن من رأسها فأظهرت القصة على جبينها وخصلات الشعر المنسدلة على أذنيها

المزيد


نجوى شعبان

فبراير 13th, 2009 كتبها houratik نشر في , قصة

الفصل الأول- (جزء اول)

يسأل غريب عن الطريق إلى باب الحرس ، يرد الدمياطى بترحاب : عليك أولا أن تمر بجامع المطراوى .. وما إن سمع المارة الكلمة “جامع المطراوى” حتى وقف أحدهم وسدد لكمة حانقة إلى فم من نطق بها.

إهداء  إلى الغالية  : إحسان فهمى

قالت إيزيس : ” أنا ما كان ، وما هو كائن ، وما سيكون.. وما من إنسان بقادر على رفع برقعى

أليست ” الحقيقة ” نفسها كذلك ؟

معظم التاريخ ظن وتخمين والبقية الباقية تحامل وهوى “             ديورانت

( مفتتح )

 

كيف لا ؟ وهم ما هدموا قصر المطراوى ، وشيدوا مكانه جامعا إلا لتتوارى فى البعيد سيرة المطراوى إلى الأبد.

لكن ظل الناس يشيرون إلى التبة بحذاء النهر حيث كانت أبواب قصر المطراوى تطل على النيل مباشرة بأنه شارع المطراوى ، حتى نهاية القرن السادس عشر.

عندما أستحدث لقب الشهبندر ، أطلق الناس على ذلك الموضع اسم شارع الشهبندر تارة وجامع اليقين والتقوى تارة أخرى.

استغرق الأمر مائتى عام حتى صار الناس يدلونك على الوكالات التجارية بقولهم (عليك أن تتخذ يمينك حتى تصل إلى جامع التقوى) أو ( فى خلف جامع اليقين ستجد وكالات قصبة الثغر).

هكذا وبتسويف شديد ، انمحى من ذاكرة الناس وببطء النسيان نفسه ،اسم المطراوى كبير تجار دمياط حتى يحل محله أو محل قصره “جامع اليقين والتقوى“.

اقتضى النسيان أجيالا فقد كان الناس يحبون المطراوى لإحسانه ورقة قلبه وإحساسه بالفقراء منهم ، صحيح أنه كان يسرقهم باعتباره أكبر التجار ، لكنه الوحيد الذى رأوه يعيد بعض ما سرق حيث يتصدق ويحسن وينشئ بعض المرافق لهم.

لما عرف الناس دخيلة المطراوى بعد موته ، وقعوا صرعى ما بين حبه والاستياء منه ، كلمة الاستياء طفيفة قد لا تقترب من المعنى الذى يدل على حقيقة مشاعرهم ، ربما كان الكره هو الوصف اللائق الذى يشعرهم براحة ضمائرهم حيال آثام المطراوى .

تساوى فى التأرجح بين الحب والاستياء الكاره :المسلمون والأقباط ، مسيحيو الشام والأرمن وأوربا ، وكذلك اليهود والسريان فى هذه المدينة العتيقة ذات الثغرين.

 (الفصل الأول )

يجلس غياث الدين على صندوق متاعه قبالة مقدمة السفينة التى تشبه رأس الغراب ، داعيا ربه ألا تؤجل القافلة عزمها على الإقلاع الآن قبل الهبوب العاصف لأنواء الكرم بعد نحو يومين ، ولما كان اصحاب السفن يتلكأون فى مساومات مع رجال الجمرك والمصدرين ، تضرع متمتما : ياشيخ خراشى انجدنى.. تدور كالدوامة فى صدره وأذنيه استغاثة بائعة الفجل فى سوق الحسبة ، عندما ُقلبت بضاعتها وديست بأقدام جياد الإنكشارية ، دبت المرأة على صدرها وصرخت : يا خراشى!!

سيعيد على السائلين انه ذاهب إلى رودس لبيع أجولة من أقراص النيلة وبذور شجرة السنط والقرض والحصير المصنوع من نبات البردى ، لن يذكر شيئا عن أخته المتوفاة أو بحثه عن ابنها ليكفله ، فلم تعد ُتعرف أية أخبار عن زوجها

المزيد


فاطمة المزروعي

فبراير 11th, 2009 كتبها houratik نشر في , قصة

 امرأة الساعة

- الحاجة ” أم محمد” سيدة متدينة ،ووقورة ، لا تعرف من الحياة سوى أركان منزلها العتيق ، لم تفكر يوما في الخروج إلا لزيارة محارمها ، نادرا ما كانت تخرج للسوق ، أو حتى ترى الشارع ، لم تعرف أن مدينتها تغيرت ، وتبدلت ، وأصبحت بدل من العريش إلى الطوب والبنيان إلا من خلال ما تبثه أجهزة الإعلام ، حتى التلفاز لا تفتحه إلا حين يكون زوجها في العمل ، وحين يعود لا يجدها أما جالسة في المطبخ تعد الطعام أو ترتب ملابس الأطفال ، كبر العيال ، ومرت السنون سريعة دون أن تشعر بها ، ودون أن تتساءل عن وجودها ؟ عن حياتها ؟ وعن مشاعرها وأحاسيسها ؟

  عندما جاءها خبر وفاة الحاج “أبو محمد ” في حادث السير الكبير الذي تحدثت عنه المدينة كلها ، وتصدرت عناوينه الجرائد والمجلات ، أدركت في هذه اللحظة بأن حياتها قد ضاعت ، ولم يعد لها أي وجود ، فقد كان الحاج هو رجلها ، وكما كانت تقول والدتها يرحمها الله ، ظل رجل ولا ظل حيطة ، النساء من حولها يعزينها ، وهي في عالم آخر ، كانت تسافر  بخيالها وبحزنها مع “أبو محمد”، و نظرات الجارات يعزينها بمزيد من الأسى والحزن ، ويترأفون بحياتها التي ضاعت بعد وفاة زوجها  ، كانوا  يعرفون مدى تعلقها بزوجها وبمنزلها ، ورفضها حتى تغير أفكارها أملا في إرضاءه، كانت سيدة مطيعة ..

في غرفتها ، جلست على طرف فراشها ، حتى بعد موته احترمت الفراش الذي جمعها به ، فلم تحاول مجرد أن تغير اللحاف الذي كان ينام عليه ، كانت تشعر بالضياع ، والتشتت ، مجرد الخروج من عتبة هذا المنزل يعني الضياع في نظرها ، كل شيء كان الحاج يقوم به ، آلمتها وحدتها حتى الأولاد لم يهتموا بها ، كانت لهم حياتهم وزوجاتهم ، ولن يقتنعوا بأن يقوموا بواجبات والدهم “يرحمه الله ” بالاهتمام بها ..

 من جهة أخرى عادت إليها تفاصيل حياتها بكل ما فيها من طفولة ، ومنزل والدها ، أوامر والدتها ، العمل في المطبخ ، صديقاتها اللواتي تعلمن ودخلن المدرسة ، حتى التعليم رفضت أن تكمله من أجل الحاج ، كانت تطيعه بدرجة عمياء ولا تطيق أن تعصيه أبدا ..

طافت بها حياة شقيقاتها المتزوجات اللواتي يخرجن ويتسوقن في أي وقت ، وصديقاتها ، خفق قلبها في قوة ، إنها حرة الآن ، لو حاولت الخروج معهم وزيارة مركز التسوق المجاور لمنزلها لن يعاقبها أحد ، ولن تظل الليل كله ساهرة حتى الفجر من أجل نظرة الحاج العاتبة ، إنها سوف تعيش حريتها ، سوف ترتدي ما تريد ، وتخرج إلى الحدائق وتتسوق ، وتشاهد المسلسل التلفزيوني الشهير الذي تتابعه كل صديقاتها ، سوف تحقق مبتغاها ، تنفست الصعداء ، رغم إحساسها بتأنيب الضمير ، خاصة وإن صورة الحاج بدأت تبتعد عن مخيلتها ولم ينتهي بعد يوم وفاته ..

 هل كان ما جمعها بالحاج طيلة ثلاثين عاما كان حبا، أم طاعة المرأة لزوجها ؟ لا تعلم ، أصابها التردد والحيرة ، كانت علاقتهما قائمة على الطاعة من طرفها وتأدية واجبات الزوجية بكل حذافيرها ، لم تقصر فيها يوما، ولم تخرج عن طاعة أوامره ، كان طيبا ويعاملها بمنتهى الاحترام ، لم يكن يتحدث عن عمله أبدا ، ولم يفتح لها قلبه ، لم تكن تعرف عن عالمه الخفي شيء ولا عن خروجه المتكرر ولم تحاول سؤاله ، كانت ترى هذا الأمر عيبا ؟ لقد علمها والداها هذه الطاعة ، وعدم السؤال عن أي شيء يخصه، فهو رجل ، أخيرا لقد مر يوما كاملا دون أن تعمل في المطبخ ، وان تحمل ملابسه وتضعها في الغسالة وان تحضر له طعام العشاء ، كانت تقوم بأعمالها في صمت ، ولم يسألها يوما أن تجلس في فراشها وتأخذ إجازة ولم يفكر بمشاورتها في إحضار خادمة تهتم بها رغم كبر سنها ، بكت بصوت عال ، لا تعلم سر بكاؤها هل هو فرح للحرية القادمة أو حزنا على زوجها المسكين الذي لقي مصرعه مع باقي رفاقه ولم يستطيعون التعرف بجثته ؟

كان إحساس الحرية قد انعكس على تعابير وجهها ، فكست ملامحها فرحة لم تعرفها طيلة الخمسة والثلاثين عاما رغم إنها لم تشتكي من معاملة زوجها أبدا ، ولم يحاول أن يمد يده عليها ..

 انتشت للحظة ، وأحست بجسدها يشبه عصفور قد كتب له الحرية من جديد ، إنها تشم رائحة الحرية وكأنها آتية من بعيد ، فتحت النافذة ، عبير هواء مر نحو أنفها ، وتسلل بدفء نحوها، خلعت حجابها ، ولأول مرة تطاير شعرها ، ورقص في حرية ، كان يبدو وكأنه كان محروم منها منذ زمن طويل، البيت خال لا أحد فيه سواها ، أشعلت الشموع ورقصت سعيدة على ضوءها ، ملأت البيت وردا وزهورا وموسيقى كلاسيكية ، جلست ساعات طويلة أمام التلفاز ساعات طويلة ، رأت المسلسل الشهير ، تابعت أحداثه في لهفة جنونية ، خرجت إلى المراكز التجارية ، اشترت كل شيء كانت محرومة منه ، كان جيرانها وأهلها يعذرونها ، فلقد جنت بعد رحيل زوجها ، هكذا كانوا يقولون ..

 وفي يوم من الأيام ، فوجئت بزوجها الميت وقد عاد من قبره إلى المنزل ، لقد نجا م

المزيد


مليكة مستظرف

يناير 11th, 2009 كتبها houratik نشر في , قصة, نص

  إمرأة، جلباب وعلبة حليب

148ima 979ima

.أبي يصرخ في طفلي ـ( اقطع الحس )ـ .. طفلي يزداد رعبا وصراخا. أنا أدعك أرضية البيت، أرمي قطعة الخيش المتعفنة، أمسح يدي بطرف (كندورتي) البنية . أهدهد طفلي ـ( نيني الحبيبة )ـ. يبصق أبي، يصلني رذاذ بصقته، أمسح وجهي بكم (الكندورة). ـ( هكذا ناديه بصيغة المؤنث حتى يصبح خنثى. الله يلعنه جنس. اذا عاود البكاء سأرميه من النافذة )ـ.

آخذ قطعة ثوب كبيرة وأضع طفلي على ظهري، أناوله السكاتة، يبصقها من فمه، أعرف أنه جائع ولم يتبق حليب. في البداية كنت أعطيه الحليب المجفف من الصيدلية، كان ينتهي بسرعة غير معقولة. اكتشفت أن أخي يسرق منه الكثير قبل أن يذهب الى الجامعة. أخبرني حين ضبطته أنه يطلب من النادل كأس ماء ثم يذيب فيه ما سرقه من حليب مجفف. ثم ضحك وهو يلعق شفتيه بتلذذ  ـ( هل كنت أشرب هذا الحليب عندما كنت طفلا ؟ )ـ. بعد ذلك قال لي أبي : ـ( اعطيه حليب سنترال من عند البقال )ـ. أتحسس نهداي ، أعصرهما ، ولا نقطة حليب . الصيدلي لا يريد ان يعطيني علبة حليب الى حين ميسرة. قلت له : ـ(عندما يحكم القاضي ذو الشعر البرتقالي الذي يشبه لون الجزر والوجه المنمش، لصالحي سأدفع لك )ـ. لا أفهم لماذا ضحك الصيدلي حتى اهتز جسمه البدين. وكان كلما يراني يضحك ببلاهة ويسألني ان كان القاضي قد حكم لصالحي .

أهيم في شوارع البيضاء ، هذه المدينة العاهرة تفتح فخذيها لكل القادمين .. شوارع واسعة. سيارات. محلات انيقة تعرض ثيابا قصيرة جدا، النساء هنا مختلفات، تحس انهن خرجن للتو من احدى مجلات الموضة ، اجسامهن شهية بلون العسل المصفي . أنظر الى جلبابي الرمادي ، احس بضآلتي ، واتمنى لو أختفي . أسمع قرقرة مصاريني . اتذكر انني لم أفطر صباحا.طفلي على ظهري يمص رضاعته الممتلئة شايا ً. القاضي شعره برتقالي ، ووجهه منمش ولحيته خفيفة لا يكف عن العبث بها، قلت له :  ــ

ـ(لا اريد الطلاق، أريد بيتا، وجلبابا وحليبا لطفلي. لقد جف نهداي، أبي لا يريد الطفل في بيته. قال لي ارمي له طفله وعودي وحدك.)ـ  لكنه ابني ..هل هناك من يرمي قطعة من قلبه ؟ أخبرت ابي اني سأبحث عن عمل. بصق في وجهي ـ هو لا يكف عن البصاق ابدا- ثم قال : ـــ

ـ( لن تعملي، ولا تقفي في الشرفة ، ولا تخرجي بمفردك .. وتذهبين للاستحمام مرة كل أسبوعين .. أنت ستصبحين مطلقة)ـ.  .. طفلي اصبح بحجم دمية هشة أخاف أن اكسره. لا يكف عن الصراخ , يريد حليبا. الصيدلي لا يريد اعطائي علبة حليب لحين ميسرة والقاضي ذو الوجه المنمش لا يكف عن العبث بلحيته. أخي يسرق حليب طفلي وابي يصرخ بوجهي والبصاق يخرج من فمه. وانا اريد فقط غرفة وجلبابا وحليبا لطفلي . أفكار سوداء تفسد علي حياتي، أحاول أن اهر

المزيد


كتاب كليلة ودمنة

أكتوبر 31st, 2008 كتبها houratik نشر في , دراسات, قصة

309ima836890الحمامة المطوقة

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعتُ مَثل المتحابين كيف قطع بينهما الكذوب وإلى ما صار عاقبة أمره من بعد ذلك، فحدِّثني إن رأيتَ عن إخوان الصفا كيف يبتدئ تواصلهم ويستمتع بعضهم ببعض. قال الفيلسوف: إن العاقل لا يعدل بالإخوان شيئاً، فالإخوان هم الأعوان على الخير كله والمواسون عندما ينوب من المكروه، ومن أمثال ذلك مثل الحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب، قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال بيدبا: زعموا أنه كان بأرض سكاوندجين عند مدينة داهَر مكان كثير الصيد ينتابه الصيادون، وكان في ذلك المكان شجرة كثيرة الأغصان ملتفة الورق فيها وكر غراب، فبينما هو ذات يوم ساقط في وكره إذ بَصُر بصياد قبيح المنظر، سييء الخَلق على عاتقه شبكه وفي يده عصا مقبلاً نحو الشجرة فذُعر منه الغراب وقال: لقد ساق هذا الرجلَ إلى هذا المكان إما حيني وإما حين غيري فلأثبتن مكاني حتى أنظر ماذا يصنع، ثم إن الصياد نصب شبكته ونثر عليها الحَب وكمنَ قريباً منها فلم يلبث إلا قليلاً حتى مرت به حمامة يُقال لها المطوَّقة وكانت سيدة الحمام ومعها حمام كثير فعميت هي وصاحباتها عن الشرَك فوقعن في الحَب يلتقطنه فعلقن في الشبكة كلهن وأقبل الصياد فرحاً مسروراً، فجعلت كل حمامة تضطرب في حِبالتها وتلتمس الخلاص لنفسها، قالت الحمامة المطوقة: لا تخاذلن في المعالجة ولا تكن نفس إحداكن أهم إليها من نفس صاحبتها، ولكن نتعاون جميعاً ونطير كطائر واحد فينجو بعضُنا ببعض، فجمعن أنفسهن ووثبن وثبة واحدة فقلعن الشبكة جميعاً بتعاونهن وعلون بها في الج

المزيد


يوسف الشريف

سبتمبر 1st, 2008 كتبها houratik نشر في , قصة

قصص للأطفال

كتابة أخرى

487ima320ima

كُرَةٌ وَأطْفَالٌ وَعَسَلٌ.

إلى نجيب الحصادي.

فِي يَوٍم مِنَ الأيَّامِ تَوَقَّفَ رَجُلٌ ِيَتَفَرَّجَ عَلَى أطْفَالٍ يَلْعَبُونَ بِكُرَةٍ تَخْتَلِفُ عَنْ كُرَةِ الرِّيَاضِيِّينَ فِي المَيْدَانِ،كَانُوا يَلْعَبُونَ بِعُلْبَةِ عَسَلٍ فَارِغَةٍ،ضَحَكَ مَعَهُمْ وَهُمْ يَضْحَكُونَ فِي لَعِبِهِمْ،ثُمَّ مَضَى وَتَرَكَهُمْ يَلْعَبُونَ.فِي اليَوْمِ التَّالِي جَاءَ يَحْمِلُ عُلَبَ عَسَلٍ بِعَدَدِ الأطْفَالِ،أعْطَى لِكُلِّ طِفْلٍ عُلْبَةَ عَسَلٍ،وَأعْطَاهُمْ كُرَةَ قَدَمٍ يَلْعَبُونَ بِهَا،لَكِنْ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ مِرَّ بِهِمْ فَوَجَدَهُمْ يَلْعَبُونَ بِعُلَبِ العَسَلِ الفَارِغَةِ.

  قفص وَعُصْفُورٌ.

قَالَتْ البِنْتُ الصَّغِيرَةُ لِلْعُصْفُورِ:لِمَاذَا لا تَتْرُكُ العُشَّ وَتَأتِي مَعِي إلَى بَيْتِنَا لِتَكُونَ قَرِيبًا مِنِّي فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ..؟

قَالَ العُصْفُورُ:وَلِمَاذَا لا تَأتِينَ أنْتِ إلَى عُشِّي لِتَكُونِي قَرِيبَةً مِنِّي فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ..؟

قَالَتْ البِنْتُ الصَّغِيرَة:عُشُّكَ صَغِيرٌ وَبَيْتِي وَاسِعٌ وَكَبِيرٌ ،فِيهِ حَدِيقَةٌ وَمَاءٌ وأزْهَارٌ وَشَجَرَةُ عِنَبٍ.ذَهَبَ العُصْفُورُ مَعَ الِبْنِت الصَّغِيرَة.فِي البَيْتِ وَضَعَتْهُ فِي قَفَصٍ جَمِيلٍ قُضْبَانُهُ مِنْ حَرِير وَسَقَتْهُ مَاءً عَذْبًا وَأطْعَمَتْهُ عِنَبًا شَهِيًّا.

قَالَ العُصْفُورُ لِلْبِنْتِ الصَّغِيرَة:أنْتِ فِي البَيْتِ الوَاسِعِ وَأنَا فِي القَفَصِ الضَّيِّقِ..اِفْتَحِي بَابَ القَفَصِ لأِحَلِّقَ فِي فَضَاءِ البَيْتِ الوَاسِعِ.فَتَحَتْ بَابَ القَفَصِ فَخَرَجَ العُصْفُورُ وَطَارَ..عَادَ إلَى عُشِّهِ.

 

عُصْفُورٌ وَجَنَاحٌ صَغِيرٌ

فِي يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ اِسْتَيْقَظَتْ العُصْفُورَةُ الكَبِيرَةُ وَاسْتَيْقَظَتْ مَعَهَا عَصَافِيرًهَا الصَّغِيرَة.فِي العُشِّ تَلْعَبُ وَتُرَفْرِفُ بِأجْنِحَتِهَا وَتَتَعَلَّمُ التَّغْرِيدَ.قَالَ عُصْفُورٌ صَغِيرٌ:كُلّ يَوْمٍ تَخْرُجُ شَمْسٌ مِنْ خَلْفِ الجِبَالِ ثُمَّ تَغِيبُ خَلْفَ الجِبَالِ.

قَاَلتِ العُصْفُورَةُ الكَبِيرَةُ:هِيَ شَمْسٌ وَاحِدَةٌ تَأتِي بِالصَّبَاحِ كُلَّ يَوْمٍ.قَالَ العُصْفُورُ الصَّغِيرُ:هَيَّا نَذْهَبُ إلَيْهَا لِنَرَاهَا كَيْفَ تَأتِي بِالصَّبَاحِ.قَالَتِ العُصْفُورَةُ الكَبِيرَةُ:جَنَاحُكَ صَغِيرٌ وَهِيَ بَعِيدَةٌ.بَكَى العُصْفُورُ الصَّغِيرُ.قَالَتِ العُصْفُورَةُ الكَبِيرَةُ:لا تَبْكِ..غَدَا يَكْبُرُ جَنَاحُكَ وَتَذْهَبْ إلَى اِلشَّمْسِ البَعِيدَةِ.

المزيد


فتحي نصيب

أغسطس 19th, 2008 كتبها houratik نشر في , قصة

صـبـاح جديـــد

 

 

861ima457ima

 

رن جرس المنبه فأسكته ونهضت متثاقلا ، اغتسلت ، اتجهت صوب المطبخ ووضعت ركوة القهوة على الموقد ، نزعت قائمة الطلبات عن باب الثلاجة ( 1 ) .

(( عزيزي ( 2 )

أرجوك (3 ) ….اغسل الأطباق والأكواب وجففها جيدا

ضع الملابس في المغسلة مع كوبين من مسحوق الغسيل

لا تستخدم الماء الفاتر …ولا تخلط الملابس الملونة والبيضاء

اليوم موعد ري نباتات الظل ..لا تنسى أن تشرع نافذتي

غرفة النوم والحمام …ضع أكياس القمامة أمام مدخل

البناية …عرج ــ في طريق عودتك إلى البيت ــ على

مطعم الأسماك واحجز لنا وجبة جاهزة لأربعة أفراد

فالليلة ستتناول وداد ( 4 ) وزوجها العشاء في بيتنا ……

قبلاتي ..))

فارت القهوة ، اطفات الموقد ، وددت لو سمح لي الوقت هذا الصباح لتبييض قصتي الأخيرة قبيل ذهابي إلى العمل .

أنجزت طلبات زوجتي جميعها وخرجت .

لم أتمكن من فتح باب سيارتي ، فقد ركن احدهم سيارته جوار باب السيارة .. انتظرت قليلا وقررت أن اركب من الباب الآخر ..وحين اتخذت وضعي خلف المقود وأشعلت المحرك جاء احدهم وركب السيارة المركونة الى جانبي وطار بها دون كلمة اعتذار .

وصلت مقر عملي متأخرا ..ركنت سيارتي بعد جهد لعدم وجود مكان شاغر ..صعدت الدرج لاهثا إلى مكتبي ..حياني زميل (5 ) بابتسامة شمعية مرسومة على وجهه منذ نصف قرن ..أخبرتني زميلة مطلقة أن المدير يطلبني على وجه السرعة ( 6 ) .

وجه لي مديري ( 7 ) ملاحظات تتعلق بتأخري عن العمل وبطء إنجازي للمعاملات ..ولم يترك لي فرصة للرد وبتر كلامه قائلا : سأكتفي بالتنبيه الشفوي هذه المرة ..مع السلامة .

خرجت في الثانية والنصف فوجدت إشعار مخالفة مرورية موضوعا بعناية بين زجاج السيارة الأمامي وماسحة المطر بسبب ركن سيارتي في مكان يحظر فيه الوقوف ..ولا ادري متى نبتت علامة الممنوع اللعينة أمام سيارتي.

قدت سيارتي على مهل محاولا السيطرة على شحنات الغضب التي بدأت بالتنامي منذ هذا الصباح متسائلا : متى تسنح لي الفرصة لتبييض قصتي الأخيرة … إلا أن صبيا يكاد لا يرى يقود سيارته بسرعة جنونية أطلق آلة التنبيه ، أفسحت له الطريق حتى فاجأني صبي آخر من ناحية اليمين ..حوصرت بين سيارتي الصبيين الأهوجين وقررت إبطاء السرعة كي اتحاشاهما معا .

دخلت بيتي منهكا ، ارتميت على الأريكة الوثيرة ( 8 ) وفكرت في حياتي كلها وتساءلت : هل هذه هي الحياة التي حلمت بها

المزيد


التالي