سيرة روائية
LIFE AS IT IS
الحياة كما هي

“Our writing life, our life “as writers”, can not be separated from our life as a whole.”
Julia Cameron.
"إن حياتنا الأدبية ، حياتنا "ككتاب" لا يمكن لها أن تفصل عن حياتنا ككل".
جوليا كاميرون
(3)
الأصدقــــاء
“ Allow each soul to walk its path ”
Neal Donald Walsch
Meditations from conversation with good
" اسمح لكل روح أن تسير في طريقها. "
نييل دونالد ووالش
لوجريون.
عندما ينظر إليه زائر عابر لا يجد شيئاً. شيء مختلف أعني. شارع قصر النيل.. عتبات عاثرة ثم باحة صغيرة ، مداخل عمارات يوجد في إحداها مكتب صحيفة الخليج، ثم جامع صغير في الدور الأرضي لعمارة أخرى ، ومكتب سياحي لا يبدو أنه يجد رواجاً. في أخر الباحة المربعة الصغيرة هنالك ممر يؤدي إلى شارع آخر تتناثر فيه محلات صغيرة ، أحدها للأدوات الكهربائية والثاني للسجائر والمرطبات. بقرب منعطف الممر الضيق هنالك مدخل الجريون. إضاءة شبه خافتة ، طاولة ذات حاجز خشبي ، وحارس الجريون ، وأمين أسرار الزبائن. سجاد أحمر باهت يغطي أرضية المدخل ، على اليمين هنالك حمامين للرجال والنساء ، ثم هنالك ثلاثة أبواب أخرى. أولها للحديقة حيث ترتص الطاولات والكراسي ، ثانيها مدخل البار ذو الإضاءة الخافتة جداً والطاولات الصغيرة المستديرة بكراسيها السوداء ذات البطانة الموردة ، وثالثها باب المطعم حيث تصطف الموائد المربعة بكراسيها ذات الظهر العالي وأغطية الموائد الوردية بفوطها البيضاء. ثمة لوحات لفنانين محليين تتناثر هنا وهناك وإعلانات عن المسرحيات والحفلات الفنية والمعارض على الحائط الذي يستند عليه الحارس في المدخل الرئيسي.
لوجريون يبدو مكاناً ستاندرد ، ويميل أحياناً إلى جو من الكآبة في البار والمطعم بسبب الإضاءة الخافتة والدخان.
غير أن لو جريون قد تحول منذ بداية التسعينات إلى مقر لجبهة من نوع خاص ، وأحياناً منزل بديل لقبيلة من الفنانين ، الأدباء ، محبي المتعة ، بعض المدعيين ، وزوار الثقافة العرب والأجانب ، والذين قرروا أن يحتلوه رسمياً " بعض النهار وطوال الليل على مدى عقد كامل.
وسط البلد شهد تنقلات مختلفة لهذه القبيلة من ريش ولاباس في السبعينات ، إلى أوديون وزهرة البستان في الثمانينات وصولاً إلى لوجريون في التسعينات.
ثمة خارطة لمعالم الطريق في لوجريون ، وبروتوكولات غير مكتوبة ، وحدود غير مرسومة. في الحديقة هنالك مناطق نفوذ ممتدة لمقهى زهرة البستان .. كان أكبرها مائدة هشام قشطة ومجلته "الكتابة الأخرى". في البار هنالك الطاولة اليونانية وطاولة أخرى ممتدة تفصل بين المطعم والبار لرسام الكاريكتير رؤوف عياد. أما في المطعم فإن الحضور المهيمن هو لمائدة الفنان على الحجار ورفاقه الذين يتغيرون بحسب المرحلة مع بقاء وجوه ثابتة على تلك المائدة عبر السنين.
تداخل هذه الطاولات وما يجاورها قد يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها ، أحياناً ، خصوصاً في بعض الليالي الاستثنائية كالثلاثاء ، مثلاً. طاولة حزب التجمع تصبح هي الأضخم في المطعم .. ويتحول الخفوت إلى صخب سياسي كبير. أما في الحديقة فإن شعراء "نشرة الجراد " قد يحتلون ذبذبات المكان بحيث يتقلص صوت "الكتابة الأخرى". وفي أيام أخرى ، خصوصاً في الصيف ، فإن بعض مخموري بار "ستيلا" قد يثيرون الكثير من الشغب عندما يغلق ذلك البار أبوابه في الثانية ليلاً فيتجهون بسخطهم وسكرهم إلى لوجريون دون أدنى وعي بخريطة الطريق ، تلك.
في الألفية الجديدة صارت زيارات مهرة بنت عبيد للوجريون متقطعة .. مرة في الشهر تقريباً وأحياناً كل ثلاثة شهور. في التسعينات لم يكن هنالك ليلة تقريباً لا تشهد حضورها إلا في حالات السفر ، المرض ، أو الاكتئاب.
تجلس مهرة إلى مائدتها في الركن البعيد ، الهادئ. تتأمل الشاندلير الضخم في وسط السقف ، ولوحات الزهور المهذبة على الجدران الوردية. كانت قد ذهبت إلى معرض الفنان حسني سليمان ، "نساء القاهرة" ، واتفقت مع أصدقاءها على اللقاء في لوجريون هذا المساء. بين الفينة والأخرى تتبادل التحيات مع معارفها في لوجريون الذين يطلون على المطعم يتبادلون السلام ثم يختار كل منهم ركنه في المطعم ، البار أو الحديقة.
أول الواصلين هو أحمد بمعطفه الرمادي الثقيل ، تلفيحة عنقه النبيذية الصوف ، قبعته البيرية ووجهه ذو الحلاقة المتقنة. يدخل ويدخل معه الحارس مصطحباً إياه إلى مائدتها. أحمد الشيوعي السابق ، السجين السياسي السابق ومدمن الكحول السابق. منذ الحادثة التي تعرض لها في بداية التسعينات تحول إلى زبون جيد للآيس كريم ، اللبن ، السفن آب .. وبعد علاجه بالإبر الصينية لإعادة الحيوية إلى العصب البصري الذي فقد وضوح الرؤية فإنه قد تخلى عن الكحول ، والشرب إلى الأبد.
- " أهلاً يا جميلة … وحشتيني " . تتبادل مهرة وأحمد التحيات والقبلات.
يتبادلان الأخبار عن أحوالهما ، الأحداث ، القراءات ، أخبار الأصدقاء وتهديه مهرة قوقعة صغيرة أحضرتها له من جزيرة موريشوس.
بعد قليل يطل ظل محمد ، أطول شاعر في مصر. يمشي متهادياً والابتسامة تعلو وجهه مقبلاً عليهما.
كلاهما من برح الثور أحمد ، ومحمد .. وكلاهما يتبادلان نطاح المودة كلما التقيا.
كبيبة ، كبدة فراخ مشوية ، سمبوسك ، ورق عنب ، جبنة بيضاء بالطماطم ، كالاماري مقلي ، وطبق جرجير.
يأتي آخرون ، ويذهبون ، فيما زجاجات الستيلا تتغير.
مع نهاية السهرة ، تشتري مهرة المجلات والصحف : الأهرام العربي ، روز اليوسف ، نص الدنيا ، الوفد ، كلام الناس ، فيديو أون لاين ، الخليج ، البيان ، أخر ساعة ، المصور ، صباح الخير والقاهرة. أما الأهرام فإن البواب سوف يضعها أمام باب الشقة في الصباح.
ــ ــ ــ ــ
" إنني أحول الحياة إلى حلم .. حلم طويل لا أتذكر بعده تفاصيل ما قد حدث بالفعل. أما الحلم .. الحلم نفسه .. الأحلام فإنها لا تتحول إلى حياة ، قط ".
تقول مهرة لنفسها وهي تغمض عينيها ، وتنام.
في سيكامور هول ، مبني العلوم السياسية ، وفي المكتب تسأل مهرة أستاذها إدموند كيللر لماذا اختار التدريس ولم يعمل في السياسة. يبتسم ويجيبها ،
- " لأنني عالم سياسة ، ولست برجل سياسة " .
كانت في البداية قد فكرت بدراسة القانون الدولي ، ثم اكتشفت أن هذا غير ممكن لأنها دراسة تلي شهادة البكالوريوس في العلوم الإنسانية الأخرى ، لذلك فإن أقرب تخصص آخر كان هو العلوم السياسية.
في السيمستير الأول أخذت كورسات اللغة الإنجليزية ، واكتشفت الثلج. بعد تلون الأشجار بالبرتقالي والأصفر ، والمشي على أوراق الشجر الجافة المتساقطة التي تغطي الطرقات ، جاء موسم الشتاء والثلج.
شعرت بغبطة وسعادة وهي ترقب سقوط الثلوج الأولى .. إنها المرة الأولي في حياتها التي تشاهد فيها الثلج خارج شاشة التليفزيون ، وصور المجلات. أدهشها أن سقوط الثلوج يحمل معه دفئاً في الهواء ، دفء خفيف. صارت تغوص ببوتها في الثلج وتركض عليه.
صنعت رجلاً ثلجياً مع بعض الفتيات في الدورم ، ووضعوا له منخاراً كبيراً من الجزر.
بعد خروجهم من مبني " ذي إيديوكيشن بيلدينغ " ، كانوا يصنعون كريات من الثلج ويقدفون بها بعضهم البعض هي وبقية الطلبة الأجانب ممن يدرسون معها في كورس اللغة الإنجليزية.
في كل صباح يمر عليها سعيد في الدورم ويصحبها إلى الفصل. سعيد من مدينة العين ، ثمة معرفة عائلية بين أهله وأهلها. كان شاباً نحيفاً ، متوسط الطول ، يرتدي نظارة طبية سميكة ، وله شارب أسود كثيف غير منظم. سعيد خجول وطيب لذلك كانت مهرة تطمئن إليه ، إنه لا يخيفها ، وهو يصلي الفروض الخمس. بعد برنامج اللغة سوف يذهب سعيد إلى جامعة ويسكانسن لدراسة الهندسة المدنية. ولسوف تفتقده كثيراً عندما يفعل.
هنالك الكثير من الطلبة والخليجيين والعرب في جامعة إنديانا غير أن معظمهم من طلبة الدراسات العليا ، ويكبرونها بكثير.
لقد ارتبكت مهرة في المرة الأولى وهي تقابل طلاباً من بلدها .. لم تعرف كيف تتعامل مع الأولاد. غالباً ما كانت تلتقيهم في مكتب المشرف العام عليهم. أحدهم كان البوي فريند لكاثي السكرتيرة. مهرة تعرف أهله وتعرف زوجته تلك التي تنتظره بأولادهم في أبو ظبي غير أن كاثي لا تعلم أنه متزوج.
المزيد