بهيجة حسين: خطاب القهر في رواياتي تجسيد لواقع مأزوم أمس واليوم وغدا.


لا يوجد كاتب بدون توجه آيديولوجي ولا يوجد عمل يخلو من انحياز سياسي.
تشكل عذابات الانسان واحباطاته على كل الاصعدة، البوصلة الاساس التي توجه وتنتظم حولها خيوط ومفردات الفضاء الروائي في أعمال الكاتبة بهيجة حسين، فالقهر يبرز في معظم هذه الأعمال وكأنه المحرك والمحرض على فعل الكتابة نفسه، وخاصة في روايتها الاخيرة «البيت». وكانت قد صدرت للكاتبة ثلاث روايات ومجموعة قصيرة:
هنا حوار معها:
* يربط النقاد عادة بين الخطاب الروائي في روايتك «البيت»، الذي يتم فيه تقسيم الادوار بين الجنسين، وبين القهر، هل قصدت هذا بالفعل؟
ـ قصدت هذا، ولم أقصده، قصدته لأن البيت هو الجدران الذي يحتوينا هو السقف الذي يظلنا، هو الحدود الجغرافية التي تحدنا، هو اللهجة التي نتفاهم بها، وهو التاريخ الممتد في عمق الزمن والضارب في أعماقنا هو العادات والتقاليد التي ورثناها عن اجدادنا، حتى لو لم نعشها او لم نعمل بها، لكنها داخلنا وقصدت أيضا ان الانسان الذي بلا بيت، هو انسان بلا وطن، بلا أهل، ولا بد ان يكون له بيت في النهاية، ولهذا عمدت ان تدور اغلب الرواية في بيت دكتور روبين الأرمني الذي فقد أهله ووطنه وبيته، وربما لأؤكد على انه ليس من حق أحد ان يسلب أحدا بيته او وطنه، وهذا ما حاولت ان اوصله من خلال سطور الرواية.
* قلت أنك لم تقصدي ايضا الربط بين البيت والقهر، ماذا تعنين؟
ـ أقصد انني عندما شرعت في الكتابة لم أضع هذه الخطة امامي تماما، ولكن خرج كل هذا أثناء الكتابة دون تعمد، وعادة حينما اكتب اترك مساحة للقارئ لكي يتصل معي وليفهم من خلالها ما يريد.
* لكن ألا ترين انك حين تربطين العنوان بموضوع النص «القهر قهر المرأة تحديدا بالبيت» فان هذا يقتل الرواية، بداية من مدخلها؟
ـ لم ارغب في هذا، لكن في روايتي هذه تحديدا، لم اتحدث عن قهر المرأة فحسب، بل عن قهر الرجل والمرأة معا، قهر الانسان اجتماعيا ودينيا وانسانيا، واقتصاديا وسياسيا، فهناك في الرواية مثلا علاقة الزوج «حلمي بك» بزوجته والتي تركها تحترق دون ان يتحرك لانقاذها، وهناك الفلاح الذي يسأل الدكتور روبين عن احتراق أحد الفلاحين «هل مات كافرا يا دكتور» وهناك الفقر الذي جاء بالكوليرا، وقهر الفقر الذي قتل فلاح القرية المصرية، وهو يعاني الجوع ويعاني المرض، وهناك قهر المستعمر التركي او الانجليزي للوطن بأكمله ولمواطنيه.
* يدرج البعض روايات صنع الله ابراهيم تحت عنوان «أدب القسوة» في رأيك، هل يمكن ادراج أعمالك الروائية تحت هذا المسمى؟
ـ أنا كتبت، وأنت قرأت، ومن حقك ان ترى ما تشاء، وان تسمي النص ما تشاء، وعموما بامكاني ان اقبل التسمية اذا كان هذا هو بالفعل ما وصل الى القارئ، من منطلق حق المتلقي المطلق في التلقي كما يشاء، حقه الحر في ان يحكم على العمل كيفما يشاء.
* يرى البعض ان الجزء السياسي في روايتك «البيت» تأتى عنها ولم يكتب الا لاعطاء الرواية ثقلا ما، ما رأيك؟
ـ ليس لي رأي في هذا، حاولت ان اقدم هذه الصورة من القرن الذي نعيشه في واقعنا حتى الآن، هذه الاحداث التي تتكرر يوميا في بلدان عربية شقيقة، فالقهر لا يتغير بل هو منذ الخليقة ولم يزل حتى اليوم، وربما اكون قد فشلت في ان اضع الجزء السياسي كما ينبغي في العمل ولكن حاولت.
* حسنا، اذا كان الواقع كما تقولين متشابها، لماذا اخترت هذه الفترة تحديدا؟
ـ اختياري للفترة له عدة أسباب. بداية الواقع الذي تفجر في السنوات العشر الاخيرة، وكان أحد أسبابه اعادة رسم الخريطة التي رسمها الاستعمار الانجليزي، او الفرنسي او التركي، والتي يرسمها الآن استعمار جديد مقنع، هو الاستعمار الأميركي الذي احتل العراق بالفعل تحت مسمى «اعادة الحريات»، وهناك ايضا اسباب اخرى شخصية، ربما تخص علاقتي أنا بهذا النوع من القهر، ولأول مرة سوف ابوح بها، فكرة حرمان انسان من قطعة من ترابه، فجرت عندي تقسيمات فلسطين ربما، والتقسيم الذي يسعون لحدوثه في العراق والتقسيم الاكثر واقعية والذي نعيشه الآن، كان في منطقة أرمينيا وقد سعيت من خلال الرواية الى وصف ما حدث فيها، والمشكلة ليست مشكلة أرمن فقط، وانما اخذت عند الكتابة نكتة فقط، ومجرد حلة لمناقشة القضية؟
* تحتوي الرواية رغم صغرها المتناهي على اربعة اجيال تستعرض تاريخ مصر في قرن كامل، هل سعيت من خلالها الى كتابة رواية اجيال بالفعل؟
ـ نعم. هي بالفعل رواية أجيال، وهكذا كتبت من دون قصد، وبعفوية تامة، ربما كان ينبغي ان أكتب فيها تفاصيل اكثر، او اوسع في المسافة السياسية والمسافة الاجتماعية، ولكن عندما كتبتها للمرة الأولى ثم المرة الثانية ثم المرة الثالثة، استقررت على هذا الشكل وهذا الحجم ، ولا اعرف لماذا.
* تبدو جميع الشخصيات في روايتك «البيت» القوية، والضعيفة، القاهرة، والمقهورة، مقيدة وغير قادرة على الحركة في الاتجاه السليم. لماذا؟
ـ القهر آلة تعيد انتاج القهر، فالمقهور يداس في هذا المجتمع، والقاهر يقهره آخر اقوى منه، اذن فالقهر سلوك وواقع وثقافة، وهناك مثل شعبي يقول: «ان الضابط ضرب العسكري فضرب العسكري زوجته»، وهناك آلية قهر تعمل باستمرار في كل زوايا الحياة، في اقسام الشرطة، في البيوت، في المستشفيات، في المدارس الخطاب السائد الآن على كل المستويات هو خطاب القهر والجميع يسعى لاستخدام آلياته لتنفيذ هذا الخطاب، والذي ليس عنده سلطات، يسعى ان تكون عنده سلطات لكي يملك هذه الآلية وهذا هو الواقع، وعندما ندرك اننا مقهورون بالضرورة سوف نثور على هذا القهر، وربما نقاوم.
* وهل تعتقدين اننا لا ندرك اننا مقهورن؟
ـ ندرك طبعا.
* لماذا لم نقاوم حسب نظريتك؟
ـ المقاومة تأخذ اشكالا متعددة وليس شكلا واحدا، ومن المستحيل ان يظل الوضع على ما هو عليه، والانسان ينزع دائما للأفضل ويسعى دوما للعدل والحرية والحق، وهذه المتطلبات هي المبرر ا
المزيد