مطعم الثعلب

جاعَ الثعلبُ يوماً، فَلمْ يجدْ ما يَسدُّ بهِ رَمقهُ. بَحَثَ كثيراً عن طعامٍ يأكلُه، فلمْ يَعثُر على أيِّ طعام. فكّر بَعْضَ الوقتِ، ثم لَمعتْ في رأسِهِ فكرةٌ يَحتالُ بها على الدجاجة.
أعلنَ الثعلبُ في أنْحاءِ الغابة، عن افتتاحِ مَطعمٍ يُقدم فيه لزبائنه أجودَ أصنافِ الطّعام، وأرسلَ بطاقةَ دعوةٍ إلى الدجاجةِ لحضورِ حفل الافتتاح.
أجْفلَت الدجاجةُ حينما تلَقّتْ دعوة الثعلب، لما بينهما من خُصومات، ولما تعرفُهُ من مَكرِ الثّعلبِ وغدرهِ وقلّةِ وفائه، ثمّ فكرتْ في الأمر مليّاً، وساورتها المخاوفُ، واعتقدتْ أنّ الثعلبَ يُبيّتُ لها خِطّةً للإيقاعِ بها، غيرَ أنّ الفضول وحُبَّ الاستطلاع، دَفَعاها إلى التَّقليل منْ مَخاوفها، وراحَتْ تُقْنعُ نفسها بأنّ الثّعلبَ راغبٌ – كما يبدو – في إرساء أسُسٍ جديدةٍ لعلاقةٍ معها تقومُ على الصدْقِ والمَحَبةِ والوفاء، لذلك بادرَ إلى دَعوتها على هذا النحو من الصراحةِ والوضوح. تَغَلّبت الدجاجةُ على مخاوفها، وقَرّرت – من باب الاحتياط – ألا تّذْهبَ وحْدَها إلى مَطْعَمِ الثّعلب، فانطَلقتْ إلى صديقِها الحمار، لكي يصْحَبَها لحضور حَفل الافتتاح.
سالَ لُعابُ الثّعلبِ حينما رأى الدجاجةَ في الطريق إليه، فَلمْ يُطل التَّفكير في الأمر، واعتقدَ أنّ بوسعِهِ تدبيرَ حيلةٍ يُبْعِدُ بِها الحمار، ثم يَنْفَردُ بالدجاجةِ فيأكلها كيفما شاء.
رحّبَ الثعلبُ بالدجاجةِ والحمار، وقالَ إنهما أولُ المدعوين إلى حفلِ الافتتاح، فاحتجَّ الحمارُ عليه وقالَ إنه لم يتسلمْ منهُ بطاقةَ دعوة. راوغَ الثعلبُ لتضليلِ الحمار، وحاولَ إقناعه بأنّ الدعوة رُبما ضاعتْ في الطريق، فتظاهرَ الحمارُ بالتصديق.
لم يُضِع الثعلبُ دقيقةً واحدة، فَقد زَعمَ أنّه تلقى تهديداً من الدبّ بتخريبِ حفلِ الافتتاح، ما يتطلبُ بقاءَ الحمارِ خارجَ المَطْعم للتصدي للدبِّ حينما يحيء. بدا الحمارُ كما لو أنّه اقتنع بكلام الثعلب، فخرجَ، ووقفَ غيرَ بعيدٍ عن الباب.
تزايدتْ شكوكُ الدجاجةِ حينما ناداها الثعلبُ إلى المطبخ لتساعدَهُ في أعدادِ الطعام. اقتربتْ من المطبخ، فلم تَجدْ هُناك أيّ طعام. همَّ الثَّعلبُ بالانقضاض عليها، فتراجعت، واشتبكتْ معهُ، ثم بَرزَ له الحمارُ في اللحظة المناسبة، فلم يجد الثعلبُ بُدّاً من الهرب، فانطلقَ هارباً من الشُبّاك.
شَكَرَت الدجاجةُ صديقَها الحمارَ على ما بَدا منه منْ شجاعةٍ وإخلاص، ثمّ عادتْ إلى بيتها بعدَ أنْ تأكدَتْ لها أهميةُ الحَذَرِ في التعاملِ مع الأشرار.
الزيارة
نَهَضَ فِراسٌ ذاتَ صباحٍ منْ نوْمه، فَلَمْ يَجِدْ أباهُ في البيت، وَحينما سَأَلَ أُمَّهُ عَنهُ أجابَتْهُ بأَّهُ ذَهَبَ إلى مدينةٍ بعيدةٍ، وسوفَ يعودُ ومعهُ كثيرٌ من الهدايا والألعاب.
انتظرَ فراسٌ حينما أخبَرَتْهُ أُمُّهُ بأنَّها ستذهبُ وإيَّاهُ لزيارةِ أبيه، وبعدَ أنْ سألها بإلحاحٍ عدَّةَ مراتٍ، اعترفتْ بأنَّ أباهُ موجودٌ في السجن.
لمْ يَكُنْ فراسٌ يعرفُ ما هو السجن، فتصورَ أنَّهُ مكانٌ تكثرُ فيه الطُّيورٌ والأشجارُ والمناظرُ الجميلةُ، وإلا لما فضَّلَهُ أبوه على البيتِ وعاشَ فيه.
اقتربت السيارةُ من بنايةٍ صفراءَ كبيرةٍ مُحاطةٍ بالأسلاك الشائكةِ، قالتْ له أُمُه:
- وَصَلْنا، هذا هو السجنُ، وبعدَ قليلٍ ترى أباك.
شَعرَ فراسٌ بالقلق، فوقفَ ملتصقاً بأُمِّهِ وسط نساءٍ وأولادٍ كثيرين، ثم قادْتهُ أُمُّه من يده وقالت:
- ها هو أَبوك.
رأى فراسٌ هيئة أبيه وقدْ تغيَّرتْ، فالشَّعْرُ الكثيفُ يُغطي وجهه، والملابسُ البُنِّيةُ الباهتةُ تَجعلهُ يبدو غريباً، وّقَّدْ تغيَّرتْ، وَقَدَّرَ فراسٌ أنَّ السِجْنَ مكانٌ كريه، فقررَ أَنْ يُعيدَ أباه مَعَهُ إلى البيت.
بعْدَ انقضاءِ فترةٍ قصيرةٍ، اقتربَ شرطيٌّ مُنتفِخُ الوجه، وقالَ بلهجةٍ آمرةٍ:
- إنتهتِ الزيارةُ.
دُهِشَ فراسٌ حينما رأَى الشرطيَّ يَدْفَعُ أباه بِقَسْوَةٍ خَلْفَ القُضْبانِ حتى غابَ عن بصرهِ.
عادَ فراسٌ مَعَ أُمِّهِ مُتَفَكِّراً مَهموماً، وَأَدْرَكَ أنَّ الأعداءَ هُمُ الذينَ يمنعونَ والدَهُ من العودةِ الى البيت
احتجاج الحمير
ذاتَ صباح، استيقظَ المؤلف محمود شقير على ضجيج ونهيق حول بيته دون انقطاع. أطلَّ من نافذة البيت ليرى حشداً من الحمير يملأ الشارعَ وساحةَ البيت. توقَّعَ المؤلفُ أنَّ مشكلةً وقعتْ في الحي. صاح بصوت عالٍ:
_ ما هذا الضجيجُ الذي أسمعه؟ ولماذا كل هذا النهيق؟
استمرَّ الضجيجُ واستمر النهيق وقتاً، ولم تجدْ كلماتُ المؤلف حماراً واحداً من بين الحشد يصغي لها. صاح المؤلفُ بصوت أعلى:
_ أرجو من الجميع التزامَ الهدوء! مفهوم!
استمر الضجيجُ واستمر النهيقُ وقتاً آخر، ثم ما لبثَ حمارٌ في وسط الحشد أنْ رفعَ رقبته عالياً وطالبَ بقيةَ زملائه بالتزام الهدوء. حلَّ الصمتُ وقال الحمار
المزيد