كارين بوي*

أكتوبر 25th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة

تقاطع الدروب.

 

 

 

أولاً: تمهيد 

 

 

لسنا نعرف، نحن الناطقين باللغة العربية، إلا النزر اليسير عن آداب الشعوب التي لم تتمكن من أن تتحول إلى قوى سياسية عظمى، سواء في أوربا أو في سواها من القارات الخمس. فنحن نجهل آداب الهند والصين إلا قليلاً، بل نجهل، أو نكاد أن نجهل، جيراننا الأتراك والإيرانيين. أما الآداب الاسكندنافية فلا نعرف منها سوى اسمين أو ثلاثة: ابسن النرويجي وسترندبرغ السويدي وكيركجور الدنمركي، ولكن تلك البلدان مشبعة بالأسماء الأدبية الجديرة بأن تعرف وتقرأ، بل هي جديرة بالدراسة والاستيعاء. ولقد صار مما هو بديهي أن أدب أية أمة من الأمم لا يسعه أن يزدهر ويغتني في هذه الأيام، بعدما صار العالم ((قرية كونية))، إلا إذا لقح نفسه بآداب الأمم الأخرى، إذ يبدو أنه ما من تجديد أو خلق إلا وهو نتاج لتفاعل حي وخصيب. ولهذا كان لا بد لنا من أن نعمد إلى الترجمة كثيراً جداً، وذلك لأنها طريقة اتصال مؤثر وفعال حقاً.

 

وعلى أية حال فإن الشاعرة السويدية الكبيرة (كارين بوي) تملك تجربة أدبية تستحق الاهتمام، وذلك لعمقها وحرارتها وقدرتها على الاجتذاب . وبسبب هذه السمات الكبرى أقدمتُ على اختيار مجموعة من قصائدها وترجمتها إلى اللغة العربية، مع قناعتي بأن شعرها كله يستحق الترجمة والقراءة معا ولدت كارين بوي في مدينة يوتيوري الراخمة على شاطئ بحر الشمال، وذلك في السادس والعشرين من تشرين الأول سنة 1900. وبعد تسع سنوات رحلت أسرتها إلى مدينة استكهولم، وحينما كبرت الفتاة فقد درست في جامعة أُبسالا، حيث عاشت طوراً من الإلهام الشعري المتدفق الغزير. ولكنها أصيبت بأزمة نفسية سنة 1921، وهي السنة التي حصلت فيها على دبلوم من إحدى كليات المعلمين.

وعلى الرغم من الأزمة فقد نشرت مجموعة شعرية عنوانها «الغيوم» في السنة التالية. كما نشرت مجموعة أخرى عنوانها «الأراضي المخبوءة» بعد مضي سنتين على نشر المجموعة الأولى. أما مجموعة «المواقد»، أو مجموعتها الثالثة، فقد ظهرت سنة 1927، وهي السنة التي توفي فيها والدها بالسرطان.

ومما هو جدير بالتنويه أن الناقدة السويدية الشهيرة، هاجر أولسن، قد أعجبت بهذه المجموعة، وأشارت إلى أنها جاءت بعد اليأس من إمكانية تجديد الشعر السويدي الذي صرحت بأنه مصاب بالعقم وبعد سنة واحدة تخرجت في جامعة أبسالا ورحلت إلى استكهولم، حيث عولجت نفسياً بغية الشفاء من اضطراب جديد ألم بعقلها. ولكنها تزوجت الشاعر ليف بيورك بعد تخرجها بسنة واحدة، أي سنة 1929. وكان بيورك هذا ينتمي إلى حركة كلارتي اليسارية، فزارت الاتحاد السوفييتي بصحبته بعد زواجها بقليل. بيد أن هذا الزواج لم يدم سوى ثلاث سنوات، لأنه انتهى بالطلاق، وذلك بعدما تعرضت لأزمة نفسية ثالثة دفعتها إلى السفر باتجاه برلين ابتغاء العلاج سنة 1932. وهناك تعرفت إلى فتاة ألمانية اسمها مارغوت، وأقامت معها صلة صداقة متينة. كما أنها اشتغلت محررة في صحيفة تصدر في برلين، ولكن باللغة السويدية ثم عادت من جديد إلى استكهولم، واشترت بيتاً، واستدعت مارغوت لتعيش بصحبتها.

وربما كانت مارغوت هذه، وقد ربطتها بها علاقة ليست سوية، هي المقصودة بالخطاب الذي توجهه إلى الأنت، أو إلى الآخر الذي تناديه على نحو ملهوف في بعض الأحيان وفي سنة 1935 نشرت مجموعة جديدة عنوانها «من أجل الشجرة» وهي أكثر مجموعاتها انضواء في تيار الحداثة. ومما هو ناصع تماماً أنها، في مجموعتها الرابعة هذه، قد غادرت الدين والمثالية باتجاه التجريد الذي أراه عقيماً سقيماً، بل علامة انحطاط أصاب الشعر في الكثير من بلدان العالم خلال القرن العشرين. أما مجموعتها الخامسة، أو الأخيرة، فقد ظهرت سنة 1938. وفي تلك السنة زارت اليونان. وسبق لها أن اشتغلت معلمة في مدرسة داخلية في إحدى المدن القريبة من العاصمة السويدية، وذلك سنة 1936.

وفي الثلاثينيات، نشرت كارين بوي أربع روايات بينها اثنتان مشهورتان، وهما «الأزمة» (1933) التي راجت كثيراً جداً في ذلك الزمن، و«المصل» (1940) التي ينظر إليها النقد السويدي بوصفها إنجازاً أدبياً عظيماً حققته حركة الرواية السويدية. ويبدو أنها نص كابوسي وإيمائي في آن واحد. وربما كان قابلاً لعدة تفاسير متباينة الاتجاه ولكن الشاعرة قد انتحرت بالأقراص المنومة، وذلك في الثالث والعشرين من نيسان سنة 1941. كما انتحرت مارغوت، صديقتها الألمانية، في شهر أيار من السنة نفسها واليوم ينظر النقد في بلاد السويد إلى كارين بوي بوصفها علماً من أعلام الشعر السويدي كله.

ولقد تركت أثراً كبيراً على الشعراء الذين أخذوا يبرزون إثر وفاتها، أي في أواسط القرن العشرين، ولاسيما أولئك الذين ينتسبون إلى تيار الحداثة، مع أن شعرها الكثيف شفاف في معظمه، ولهذا فإنه يتوسط بين الحداثة والتقليد. ومن شأن هذه الحالة أن تتضمن ما فحواه أنه بعيد عن الغموض، وناج من الإنبهام، في الغالب الأعم.

ومما لا يخفى على قارئها أنها شديدة القدرة على البلوغ إلى الأعماق، وكذلك إلى النائيات والمخبوءات. ولقد نظر النقد السويدي إلى بعض قصائدها بوصفها رحلة جرت في جوف النفس حصراً. بل إن شعرها يتبدّى، في بعض آنائه، وكأنه خطاب موجه إلى الغياب، أو إلى مالا تطاله الأيدي ولا تراه العيون. كما تظهر عليه آثار التأمل العميق في صور الحياة التي تراها الشاعرة بمقلة سابرة. ثم إنها تعرض رؤيتها بلغة شاعرية خاطفة أو بليغة، بل مترعة بالنضارة والحيوية. ومما يضفي عليه النكهة الحية أنه ينبجس من حساسية مرهفة وأصيلة حقاً. كما أنه ينطوي على حكمة وثيقة الصلة بالتجربة التي تعاش بالفعل.

ولعل موضوعة الوصال، أو الاكتمال بالآخر أن تكون أبرز موضوعة بين جميع الموضوعات التي يحتويها شعرها كله ،ثم إن تلك الشاعرة، التي انتحرت إثر انتصاف العمر، تملك فؤاداً مغرماً بالحياة إلى حد الشغف. وربما أدرك قارئ شعرها المتأني أن هنالك صلة حميمية تربطها بالعيش والوجود. إلا أن هنالك نغمة حزن شفاف في بعض قصائدها، ولكنه حزن هادئ وناضج في كثير من الأحيان، ويختلط بشيء من الحنان ليس باليسير.

ومما هو جد ناصع أنها تحب الطبيعة حباً جماً، وأن صلتها بها تكاد أن تجعل منها شاعرة رومانسية. فكثيراً ما تظهر الأشجار وهي مثقلة بالروعة، وكذلك الزهور والنجوم والبحر والجبال. ومما قد يكون صحيحاً أن أرض بلاد السويد الشديدة الاخضرار والتي تكثر فيها المياه إلى حد غير مألوف، قد أسست هذا الانفعال بالطبيعة وهيأت الفرصة الكافية لنشوء شعر متأثر بها أو بصورها الحية الجميلة ولكن أهم ما في أمرها أنها كثيراً ما تبحث عن المثال الديني، بل تلوب عليه بشغف حميم، ومما هو ملحوظ أن كلمة «الجوع» وكلمة «العطش» تكثران في شعرها على نحو لافت للانتباه. ويلوح لي أن ثمة صلة بين هاتين الكلمتين وبين ارتباط الشاعرة بالمثل والتقوى. وإني أراهما نتاجاً لمسغبة روحية ليس لها أي إشباع قط.

ومما لا تخطؤه العين أن صورة القوس وكذلك صورة الانحناء تتواتران في شعرها إلى حد ليس بالطفيف وربما جاز الزعم بأن هاتين الصورتين تنبثقان من الحاجة إلى الحنان أو إلى الحنو الأمومي الرؤوم. وقد أشار علم النفس مراراً إلى أن المنتحرين هم أكثر الناس ميلاً إلى المطالبة بالعواطف الحميمية الصادقة التي لا يشوبها التزويروفي تقديري

أن الانفعال بالكائنات الطبيعية وكذلك بالحاجة إلى الحنان واللطف، هما السمتان اللتان جعلتا أسلوب كارين بوي اللغوي شديد الشفافية وشديد الطراء. فلئن تأمل القارئ لغتها الشديدة الحيوية والشفافية وجد أن الكلمة قد استحالت بين يديها إلى وجدان يذوب عطفاً وحنواً على الأشياء كلها، أو على الحياة بوجه عام. وعندي أن الشعر لا يصير شعراً أصلياً أو عظيماً إلا بقدر ما تتمكن اللغة من احتواء عصارة الوجدان. وحين يملك الشعر أن يمزج هذه السمة العاطفية بخيال متوثب منداح، فإن الأسلوب يبلغ ذروة من ذراه الشاهقة النادرة. وقد يجوز الظن بأن كارين بوي قد أنجزت هذه البرهة ولو إلى حد ما.

هذه نظرة عجلى ألقيتها على شعر كارين بوي، ولكنني أرجو أن يُقيّض لهذا الشعر من ينقله إلى اللغة العربية كاملاً غير منقوص، ثم يدرسه دراسة مستفيضة تليق بتلك الشاعرة التي قلما يجود العالم كله بواحدة مثلها، سواء من حيث الدفء الروحي أو من حيث القدرة على التصوير والتعبير.

 

ثانياً: القصائد

1 - تقاطع الدروب

 

الشموع التي رأيتها تحترق، أجل، الشموع

المقدسة على ذرى الجبال الأبدية،

حيث سار أناس في ضوء صوفي مرتجف،

يتوهجون بالقداسة وبالشمس وبالقطرات الهاطلة،

يتوهجون بالنوم في عوالم لا وجود فيها للزمان.

واويلتاه، قدمي ثقيلة جداً في تلك الممرات العالية المسببة للدوار،

لي الويل، أنا المصنوعة من الطين والتي فكرها فولاذ وحجر!

لن يكون لي مكان أبداً بين أولئك الصامتين المقدسين الحالمين،

ولن تتوج رأسي هالة الرؤيا بتاتاً.

أنت من سوف أبحث عنه، يا إلهي،

في البسيط والرمادي والمحتقر،

أنت من سوف أبحث عنه في العالم،

في الأزمة وفي الكفاح اليومي.

السكون الذهبي الذي تتمتع به السماء

وهو يتطلع إليه فؤادي

هل هو أفضل من جهدك

ومن قتالك المشتعل المقدس؟

رباه، إن غبطتك لك.

أنت أعطيت وأنت أخذت

وأنت تخبئ نفسك.

إعط ما تشاء ـ لا السلام،

ولكن قتالك وروحك التي سوف تنجزها.

رباه، ها أنا ذا أتبعك

على حقل معركة العالم

مثل سيف أو قوس.

أعطني عرشاً، إن رغبت،

أو صليباً، إذا شئت.

 

2 - الأحسن

 

لا نستطيع أن نتخلى عن أفضل ما نملك.

ولا نقدر على أن نكبته أيضاً.

كما لا يتيسر لنا أن نقوله.

ما من أحد يملك أن يجعله قدراً

ذلك الشيء الأحسن الراخم في ذهنك.

إنه يشع هنالك عميقاً في داخلك،

يشع من أجلك ومن أجل الله.

إنه مجد ثروتنا التي لا يملك أحد آخر أن يحوزها.

إنه عذاب فقرنا الذي

لا يستطيع أحد آخر أن يحصل عليه.

 

3 - رغبة رسام

 

أود أن أرسم كسرة صغيرة

من المياومة الشديدة الرثاثة،

التالفة والرمادية،

ولكنها تتوهج بتلك النار التي جعلت

العالم كله يقفز من يد الخلاق العظيم.

أو أن أبين كيف أن ما نزدري

قدسي وعميق وكساء للروح.

أود أن أرسم ملعقة خشبية

بطريقة من شأنها أن تجعل الناس يرون فيها إلماعاً يومئ إلى الله.

 

4- توقع الربيع

 

ألم أمش ههنا ثملاً بأريج الورود

ـ ومع ذلك فما من ورود ظهرت ـ

ألم يرتجف كل شيء وهو ملفع

بلعاب الشمس السماوي؟

والضوء المنـعكس يهمس وعوداً سرية.

من البعيد وصلتني ريح في الفترة الأخيرة.

الضوء مثل أنفاس مستعادة،

مفعم بأريج توقع يرتجف بحياء.

ومنذ ذلك الحين أحسست بأعجوبة.

لست أعرف شيئاً ـ أسير كما لو أنني

في أرض نائية،

أسير كما لو أنني في حلم، حلم بالورود.

كل شيء مثلما كان من قبل ـ

ومع ذلك، فإنه ما من شيء إلا وقد تغير.

ثمة سر غريب ينتشر على جميع الأشياء.

 

5 - بواسطة وسائل الإعلام

 

ذات مرة طلبت فرحاً بلا حدود،

وذات مرة طلبت أسى لا متناهياً كالفضاء،

وإني لأتساءل عما إذا كان الاحتشام ينمو مع الزمن.

جميل، جميل هو الفرح وجميل هو الحزن أيضاً.

ولكن الأجمل هو أن تقف على أرض معركة الألم،

بذهن ساكن، وأن ترى الشمس وهي تشع.

 

6 - شيء واحد

 

المزيد


شارلز ريغان -ت أيمن حمودة

أكتوبر 13th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة

بول ريكور: العيش حتى الرمق الأخير

عندما مات الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (زىكم) في العام 2005، أورث العالم عملا مؤثرا جدا جعل منه واحدا من المفكرين الكبار. ترك ريكور وراءه أعمالا كثيرة وعددا من المشاريع غير المنتهية التي جمع بعضها في كتاب وترجم إلى الإنجليزية للمرة الأولى بعنوان: العيش حتى الرمق الأخير (ترجمه إلى الإنجليزية ديفيد بيلور، مطبعة جامعة شيكاغو، 2009 ).

هذا الكتاب غريب يتطلب مراجعة غريبة، فهو يضم بعضا من كتابات ريكور غير المنشورة سابقا، التي لم يكن هو نفسه راغبا في نشرها. يتكون الجزء الأول من هذا الكتاب من ملاحظات دونها ريكور في 1995-1996 عن الموت. أما الجزء الثاني فيتكون من أجزاء متناثرة كتبها أواخر أيامه تتخذ في الغالب شكل تأملات في مواضيع كانت شغلته وقتها مثل الحياة والموت، والمسيحية، وإيمانه وفلسفته، والكتاب المقدس، وصديقه جاك دريدا، ومسألة البعث. أما مقدمة الكتاب فكتبها أوليفير هابل، وهو صديق قديم لريكور، إضافة إلى كلمة ختامية بقلم كاثرين جولدشتاين، الصديقة المقربة للغاية من ريكور، خصوصا في العقد الأخير من حياته.

يستحسن أن يبدأ القارئ بما كتبته جولدشتاين، لأن ذلك يساعد في توضيح أصل النصوص التي اعتقدت هي شخصيا بضرورة أن تنشر. وجولدشتاين للمناسبة عضو في معبد بروتستانتي في شوتاني مالابري ، صادقت عائلة ريكور في أوائل التسعينيات. وعندما كانت سايمون، زوجة ريكور، في وضع صحي متدهور، كانت جولدشتاين تتردد على البيت عصرا، وتتبادل الحديث وتشرب الشاي بصحبة العائلة، وكان هذا أمرا مهما، خصوصا عندما كان ريكور يحاضر في مدن أخرى. كما وقفت جولدشتاين إلى جانب ريكور خلال فترة حداده على سايمون بعد موتها في العام 1998، وكانت عونا له في السنة التي سبقت وفاته.

كتب ريكور بعضا من تأملاته تلك في فترة صعبة: كانت زوجته في أيامها الأخيرة عقب مرض ظل يتفاقم يوما بعد يوم مصحوبا بنوبات قلبية وعجز متزايد عن المشاركة في الحديث. يضاف إلى ذلك حلول الذكرى العاشرة على انتحار ابنهما أوليفير. والواقع أن ريكور كان يعمل في ذلك الوقت على المخطوطة التي ستنشر تحت عنوان: ذاكرة، تاريخ، ونسيان .

سبق لريكور أن عبر عن بعض الأفكار الموجودة في الجزء الأول من هذا الكتاب، في العديد من أعماله الأخرى، كاعتقاده أننا لا نختبر الحدثين الأكثر أهمية في حياتنا: ولادتنا وموتنا، وأنهما حدثان مهمان بالنسبة إلى الآخرين، خصوصا عائلتنا الأقرب والأصدقاء، لكنهما بالنسبة إلينا شيء كان قد حدث سابقا (ولادتنا) وحدث لم يحدث بعد (موتنا). ويمضي ريكور من هذا الحديث إلى جدل فكري عاصف خاضه في موضوعات عن مسيحيته، واعتقاده في ما بعد الموت، والبعث، وهل البعث وعد سيحدث أم مجرد مجاز.

أما القسم الثان

المزيد


آميلي نوثومب-ت:بسام حجار

سبتمبر 2nd, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة

بيوغرافيا الجوع

 

 

 

 

 

أملي نوثومب، الكاتبة البلجيكية، تثير جدلاً مستمراً في الأوساط الأدبية الفرنسية، وغالباً ما ينقسم النقاد بين متحمس لها وبين منتقد لها الى حد الإلغاء.

مؤلفة شابة تواظب على نشر رواية كل عام، لدى قرائها ومعظمهم من فئة الشباب التي ترى في أعمالها انعكاساً لعالمهم ومشاعرهم وتجاربهم.

نوثومب تجمع الى الذكاء الحاد، خفة التعبير وسلاسته، كأنما أحياناً تكتب "أدباً" لتهفيت الأدب. غير أنها في الأحوال كافة تترك لدى القارئ إحساساً بالمتعة، يعز نظيره لدى كتّاب آخرين.

***

1

إنّه أرخبيل أوقياني يُدعى فانواتو، ما كان يُعرف في الماضي بـ"هيبريدِس الجديدة"، ولم يعرِفَ الجوعَ يوماً. نظراً لموقعها في عَرضِ البحر قُبالَة شواطئ كاليدونيا الجديدة وجزر فيدجي، حظيت فانواتو لعصورٍ بأكملها من مؤهِّلَين كليهما نادرٌ وقلّ ما يجتمعان: الوفرة والانعزال. والميّزة الأخيرة إذا كانت لأرخبيل بَدَت للسّامعِ حَشْواً لا طائل تحته بالطبع. سوى أنّ بعضَ الجزر قد يكون مقصداً لكثيرين، إلاّ جزر هيبريدِس الجديدة التي تكاد ألاّ تطأها قدمٌ غريبة.

إنّها حقيقة تاريخيّة غريبة: فلا أحد راودته الرغبة يوماً في الذهاب إلى فانواتو. حتّى أقلّ البقاع حظّاً وحظوةً في عالم الجغرافيا، كجزيرة "ديزولاسيون" مثلاً، لها قاصدوها: إذ يتضح أنّ لتخلّي الربّ عنها جانباً مثيراً يجذب إليها الزائرين. فمن شاء التباهي بميله إلى العزلة أو رامَ التشبّه بالشعراء الملعونين قد ينال المبتغى بقوله: "إني قادمٌ من جزيرة ـ ديزولاسيون". كما للعائد من جزر الماركيز أن يُثير من حوله انطباعاً بأنّه نصيرٌ للبيئة، وللعائد من الجزر البولينيزيّة أن يوحي بأعمال غوغان، وغير ذلك. إلاّ فانواتو فالعودة منها لا تثير أي ردّ فعل.

وقد يجعلُ الأمرَ أدعى لاستغرابنا كون الـ"هيبريدِس الجديدة" جزراً ساحرة. إذ نجد فيها عدّة الجذب الأوقيانية المعتادة الباعثة على الأحلام: أشجار النخيل، يُسر الحياة، وغير ذلك. ولو شئنا تحوير عبارة فيالات الذائعة لجاز لنا القول إنّها جزر غاية في الجزيريّة: فلِمَ يبطل سحر الطابع الجزيريّ، الذي يكتنف عادةً كلّ نتوء صخري بارزٍّ وسط المياه، عندما يتعلق الأمر بجزيرة فاتي وأخواتها؟

كلّ شيء يؤكّد أنّ أرخبيل فانواتو لا يثير اهتمام أحد من الناس.

لا أرى فتنةً في تلك اللامبالاة

أمامي خارطة اوقيانيا المثبتة في قاموس "لاروس" بطبعةٍ قديمة ترقى إلى عام 1975. في ذلك الوقت لم تكن جمهورية فانواتو قد قامت بعد: إذ كانت جزر "هيبريدس الجديدة" لا تزال خاضعة لحكم ثنائي بريطاني فرنسي.

الخارطة واضحة. فأوقيانيا مقسّمةً بفعلِ هذه الظواهر العبثيّة الرائعة التي تُسمّى الحدود البحريّة: أمرٌ معقّد ودقيق كالرسم التكعيبي. ثمة جانب فيها متعلّق بنظرية المجموعات: هكذا نلاحظ تداخلاً بين حدود جزر "والّيس" وبين جزر "ساموا" التي تبدو، بدورها، جزءاً من جزر "كوك" ـ كأنها حروف طلسميّة. كما نجد فيها تعقيدات سياسيّة، لا بل أزمات حادّة: فثمة نزاع بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على جزر "ليني"، المعروفة أيضاً تحت اسمٍ آخر، مذهل، هو جزر "سبوراد الاستوائية" (المتفرّقات الآسيوية). وجزر "كارولين" التي تتدبّر جيداً أمرَ انتمائها، في وقتٍ معاً، لكل من أوستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا، متوّجةً هذا الشذوذ الفاضح بكونها، على الرغم من ذلك، تحت الوصاية الإنكليزية. وغير ذلك.

ينتابنا شعورٌ بأن أوقيانيا هي كائن غريب الأطوار في الأطلس. ووسط هذا القدر الهائل من الغرائب، تنعم فانواتو برتابة لافتة. ولا نجد عذراً لها في ذلك: كونها خضعت لسيطرة مشتركة من قبل بلدين عدوين تقليدياً كفرنسا وبريطانيا من دون أن تنجح يوماً في أن تكون سبباً لخلافٍ بسيط بينهما، أمرٌ محيّر يشي بالتقاعس. كما أن نيلها استقلالها من دون أن يعترض أحد، ما يدعو في ذاته للرثاءِ ـ ومن دون أن يأتي أحدٌ على ذكرِه!

منذ ذلك الحين وفانواتو مصابةٌ بما يشبه الكدر. ولا أدري إذا كانت "هيبريدِس الجديدة" عانت من الكَدَر نفسه. المؤكّد أن فانواتو غارقة في كَدَرِها. وعندي الأدلّة على ما أقول. لقد شاءت صُدَفُ الحياة أن أتلقّى ذات يوم كتالوغ الفنّ الأوقياني مهدىً إليّ (لماذا؟) من قبل مؤلّفه، وهو أحد رعايا فانواتو. لهذا السيّد ذي الاسم المبهم الذي أعجز الآن عن نسخ حروفه، مأخذ عليّ إذا صدق ظنّي مما فهمته من عباراته المقتضبة:

إلى آميلي نوثومب

بلى، أعلم، أنت لا تبالين.

توقيع

11/7/2003

 

حملقتُ بعينين مذهولتين بعباراته. لِمَ يقرّر هذا الشخص من تلقائه، ومن دون معرفة سابقة، أنّ كتالوغه سيولّد عندي مثل هذه اللامبالاة الفظّة؟

غالبتُ جهلي المطبق وتصفّحتُ كتاب الصور. من المؤكّد انني لا أفقه شيئاً مما أراه: ورأيي هو مما لا يُعتدّ به من بين الآراء قاطبة. غير أن هذا لا يعني أنني لا أملك رأياً في ما رأيت.

رأيتُ تعاويذ مذهلة من غينيا الجديدة، وأقمشة أنيقة مزركشة من جزر ساموا، ومراوح يد جميلة من جزر والّيس، ومزهرياتِ خشبٍ لافتةً من جزر سليمان، وغيرها. ولكن كلّما طالعني شيء يوحي بالضجر، كنت أعلمُ مسبقاً من دون اللجوء إلى الشرح المصاحب أنه مشط (أو قناع أو رسم) مصدره فانواتو، وهو نسخة طبق الأصل عن الأمشاط (أو الأقنعة أو الرسوم) التي نشاهدها عادةً في تسعة وتسعين في المئة من متاحف العتقيات البلديّة في العالم أجمع حيث نشقى ونتأفّف لاضطرارنا إلى التحديقِ إلى ما لا نهاية بأعقابٍ من الصوان أو قلاّدات من الأسنان التي ارتأى أسلافنا أنّ واجبهم يقضي بأن يملأوا بها كهوفهم. لطالما بدا لي أن عرض أشياء مماثلة هو ضرب من ضروب العبث وهو أشبه بحرصِ علماء آثارنا المستقبليين على عرض ملاعقنا البلاستيك وأطباقنا الكرتون.

بدا الأمر وكأنّ هذا السيّد الذي من فانواتو قد أيقن مسبقاً أن عاديّات بلده لن تثير إعجابي. والأسوأ من ذلك كلّه أنّه كان محقّاً في ظنّه. ولعلّ التفصيل الوحيد الذي لم يتوقّعه هو أنّ هذا الأمر سيثير انتباهي.

بعد التأمّل، لفتني تفصيل في هذا الكتالوغ. إذ بدا لي أنّ العنصر الزخرفي المتكرّر في الفنّ الأوقياني البدائي هو الـ 7-7- يام 7-7-: أي الإنيام، صنفٌ من البطاطة الأوقيانية، والتي هي موضع تقديس فعلي في المعتقدات الغالبة هناك. والويل لمن يقرأ ما سبق على محمل السخريّة: فإنسان ما قبل التاريخ عندنا قد رسم هو أيضاً صنوف الأطعمة. وحتّى في أيامنا هذه ألا تزخر لوحات "الطبيعة الصامتة" بما يؤكل من نبات وفاكهة؟

وللمحتجّين منكم بالقول: "ولكن ليس البطاطة!" أجيب بأنّ الناس مشارب وأذواق، ولكل منّا أن يحتفي بما ملكت يداه. الثابت الوحيد في التصوير الفنّي للأطعمة يكمن في أن الرسّام (النحّات، المصوّر، وغيرهما) ينتقي من الأطعمة النادرة، وليس من مأكول كلّ يوم. هكذا أمكن البرهان على أنّ إنسان "لاسكو" كان غذاؤه يقتصر على لحم الرِنّة ـ ولا أثر لرسم رِنّة على جدران الكاتدرائيّة الباذخة. فيا لعقوق النفسِ البشريةّ السرمديّ التي تؤثِر تمجيدَ صعوةَ الحطب والكركند على تمجيد الخبز الذي به تحيا.

فإذا كان أهل أوقانيا قد أكثروا، بالاختصار، من تصوير الإنيام فإنما ذلك لأنّ الإنيام كان وليمة أعيادهم لشدّة ما كان عسيراً عليهم زرع تلك العساقيل. ولو كانت البطاطة نادرة عندنا لكان أكل هريسة البطاطة ينمّ عن تفاخر.

مع ذلك، لم أجد في الكتالوغ ولو رسماً واحداً لثمرة يام، أو تصويراً، مهما كان، لصنف من صنوف الطعام مصدره فانواتو. المؤكّد إذاً أنّ هؤلاء ما كانوا يحلمون بالطعام. فَلِمَ؟

لأنهم لم يجوعوا في يومٍ من الأيام.

ملاحظة أخرى: من بين جزر أوقانيا قاطبةً، كانت غينيا الجديدة هي أكثرها تصويراً للإنيام وصنوف الطعام. كما كانت الجزيرة الت

المزيد


إبراهيم حاج عبدي

أغسطس 6th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة

  فروغ فرخزاده

 

   كسرت عزلة المرأة بجرأة وأسى

لو أراد أحدنا أن يعدد أسماء شاعرات إيرانيات معاصرات فلن يعثر إلا على القليل. غير أن هذا القليل لا بد من أن يضم اسم الشاعرة الأكثر شهرة ألا وهي فروغ فرخزاد التي تحتل مكانة بارزة في الأدب الإيراني المعاصر, فهي استطاعت أن تشق لنفسها مساراً خاصاً في عالم الشعر, مع ما يعني ذلك من خصوصية الأنثى المقهورة والوحيدة والحزينة في مجتمع لا تستطيع المرأة فيه أن تجهر بعواطفها ومشاعرها سواء كان ذلك الآن في عهد الثورة الإسلامية التي قامت في العام 1979 او في المراحل التي سبقتها والتي عاشت فيها الشاعرة التي ولدت في طهران عام 1935 وغابت باكراً في عام 1967, وعلى رغم هذا العمر القصير تركت الشاعرة خمسة دواوين هي: "الأسير" الذي نشرته وهي في السابعة عشرة من عمرها, و"العصيان" ديوانها الثاني الذي تخطت فيه - كما أشار النقاد - الخطوط الحمر وتجاوزت التقاليد, فوجهت لها انتقادات كثيرة لكنها تابعت الكتابة, فأصدرت مجموعتها الثالثة بعنوان "الجدار". ومن هذه العناوين (الأسير, العصيان, الجدار) يكتشف المرء مدى المعاناة التي كانت تعيشها هذه الشاعرة ومدى توقها الى الحرية والانعتاق, فإضافة الى القيود المفروضة على المرأة في صورة عامة لا سيما المرأة المبدعة, فان والدها كان ضابطاً في الجيش يعامل أولاده بمنطق عسكري صارم. وربما شكل هذا الوضع دافعاً لزواجها المبكر في سن السادسة عشرة وطلاقها في ما بعد وحرمانها رؤية ابنها الوحيد حتى قبيل وفاتها.

ديوانها الرابع "ولادة أخرى" صدر عام 1964 وشكل اتجاهاً جديداً ليس في مسيرتها الإبداعية فحسب, بل في الأدب الإيراني المعاصر بعامة إذ اعتبرت على إثره "شاعرة ثورية" لجرأتها في الاعتراف والمكاشفة وتناول ما هو مسكوت عنه. ونشرت آخر مجموعاتها الشعرية (الخامسة) بعد وفاتها "لنؤمن ببداية فصل بارد" وفيها كانت تنبأت الشاعرة بموتها المبكر. ومن مجموعتيها الأخيرتين اختار المترجم العراقي غسان حمدان مجموعة من القصائد وأصدرها في عنوان "وحده الصوت يبقى" (دار المدى, دمشق - 2003) وهو برر ذلك بأن الشاعرة عثرت في هاتين المجموعتين على "صوتها المتفرد وتبلورت هويتها وبصمتها المميزة, على خلاف مجموعاتها السابقة التي ضمت قصائد كلاسيكية تقليدية.

إن النبرة الرومانسية الحزينة التي تطغى على أجواء هذه المختارات الشعرية تعيد الى الذهن الأسئلة التي طرحتها الروائية والناقدة البريطانية فرجينيا وولف في كتابها "غرفة خاصة بالمرء

المزيد


ترجمة حسن ناصر

أبريل 16th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة, غير مصنف

بورخيس : مكتبة بابل

 ( وبهذا الفن ربما تمكنت من تأمل تشكيلات الحروف ال 23 كلّها…)

تشريح الكآبة

ج2-ق11-  ميم

يتألف الكون ( وهو ما يسميه الأخرون: المكتبة ) من عدد غير معلوم ، ولانهائي على الأرجح ، من قاعات سداسية الشكل تفصلها فراغات واسعة محاطة بأسيجة خفيضة .

يستطيع الناظر أن يرى بصعوبة القاعتين العليا والسفلى من مكانه في أية واحدة من القاعات السداسية. هندسة القاعات ثابتة التكرار: عشرون رفا ، خمسة رفوف طويلة منها على كل جدار لتغطي الجدران عدا جهتين . لا يتعدى أرتفاع الجدران ،وهو  المساحة من الارضية الى السقف، أرتفاع الرفوف المعروفة  كثيرا.

تقود كلا الجهتان المفتوحتان في كل سداسي الى رواق ضيق يؤدي الى قاعة مجاورة مثيلة ومطابقة تماما للقاعة الأولى ولقاعات المكتبة بأسرها.

هناك حجرتان ضيقتان جدا على اليمين واليسار من كل رواق. في الأولى يتمكن المرء من النوم وقوفا وفي الثانية يمكنه قضاء حاجاته الطبيعية. كما يمر من هناك سلم حلزوني يؤدي هبوطا الى عمق سحيق ويصعد الى مسافات شاهقة . وفي الرواق كذلك مرآة صادقة في عكسها للصور. يستنتج العابرون في العادة وبناء على وجود المرآة أن المكتبة نهائية وليست لا نهائية( اذا كانت نهائية فلماذا هذه الأ نعكاسات الخادعة؟) أما أنا فأفضل حلمي بأن سطوحها الصقيلة أنما تعكس وتؤكد وجه الأبدية. ينساب الضوء الخابي أليها بلا توقف من ثمار ضوئية مكورة تسمى المصابيح. هناك أثنان منها ينتصبان متعاكسين في كل قاعة.

لقد سافرت في شبابي مثل كل رجال المكتبة الآخرين، وتجولت باحثا عن كتاب ربما كان ( فهرست الفهارس) وها أنا وقد اضحت عيناي كليلتين عن فك رموز ما أكتبه، أستعد للموت في جناح على بعد قاعات من القاعة التي ولدت فيها. وحين أموت فستكون هناك ايد خيّرة حتما لن تبخل بألقاء جثتي وراء اسيجة المكتبة الخفيضة .سيكون مثواي الفضاء السحيق. يتهاوى جسدي بلا نهاية ، يتفسخ وتذروه رياح يبعثها سقوطي ، السقوط اللانهائي.

أنا أقول إن المكتبة لانهائية . يحاجج المثاليون بأن القاعات السداسية  شكل حتمي من فضاء مطلق أو على الأقل من الفضاء كما نخمنه. حجتهم في ذلك أنه ليس بالأمكان تخيل وجود قاعات مثلثة أو خماسية الشكل ( فيما يقول الغيبيون أن شطحاتهم كشفت أليهم عن قبة زجاجية مدورة تحتوي على كتاب دائري عظيم ، يتواصل متنه متبعا الدورة الكاملة لكل الجدران.لكن حجتهم ضعيفة وكلماتهم ملتبسة . أما هذا الكتاب الدائري فهو الله.

دعوني أعيد عليكم المقولة القديمة:

المكتبة جرم كروي مركزه بالضبط هو أية قاعة من قاعاتها المسدسة وليس بالأمكان الألمام بمحيطها.

هناك خمسة رفوف على كل جدار  من القاعة ، وعلى كل رف هناك خمسة وثلاثون كتابا كلها مكتوبة بخط واحد. يحتوي كل كتاب منها على عشر وأربعمائة صفحة وكل صفحة على أربعين سطرا، وكل سطر على ثمانين حرفا كلها سوداء اللون تقريبا. وهناك حروف أخرى على عمود كل كتاب فيها ولا تشير هذه الحروف أو تقدم لموضوع الكتاب. أعرف أن هذا الهذر يبدو في لحظة ما شديد الغموض.

قبل أن أبدأ بأيجاز الحل ( الذي يعني أكتشافه وعلى الرغم من فداحة ومأساوية طروحاته، الحقيقة الكبرى على الأرجح في التاريخ بأسره. ) عليّ أن أبدأ أولا بتثبيت بعض البديهيات:

أولا : المكتبة موجودة ، هذه حقيقة راسخة وأول مايستدل عليه منها هو أن الوجود سرمدي، وهذا ما لايطعن بالشك من قبل عاقل. أما الأنسان ( هذا المكتبي الخطّاء) فلربما كان وليد الصدفة أو حامل النقمة.

الكون بأتساق ودقة رفوفه وبمجلداته الغامضة والعصية على التفسير ، بسلالمه اللا متناهية المعدة للجوالين ، بمراحيضه المعدة للمكتبيين المقيمين، لا يمكن ان يكون ألا خلقا من عمل أله ، ولعل الألمام بالمسافة الفاصلة بين اللاهوت والناسوت ، هو وحده الكافي لأجراء المقارنة بهذه الرموز السود الملتوية التي تتلمسها أناملي المرتجفة على غلاف كتاب ، والتي تستدعي رموزا حسية اخرى في داخلي ، مُشكلة ، منمقة فاحمة السواد ومتطابقة تماما.

ثانيا : عدد هذه الرموز الإملائية هو خمسة وعشرون رمزا[1]. لقد ساهم هذا الأكتشاف، قبل ثلاثمائة عام ، في تقديم نظرية شاملة عن المكتبة وتقديم حل مقنع للأشكالية التي لم يعللها رابط ( الطبيعة اللا منتظمة اللاقاعدية لكل الكتب تفريبا) يحتوي أحد الكتب التي رآها أبي في سداسي من الجناح 1594 على أعادة عكسية للحروف( MCV ) من السطر الآول حتى السطر الأخير.

ولايشتمل كتاب آخر ( من الشائع أنه في هذا القسم من المكتبة، الا على متاهة من الحروف ولكن الصفحة قبل الأخيرة تقرأ : ويامن أهراماته االزمان) هذا كل ماهو معروف. هناك سلاسل من كلام معجم وأكوام من الأفعال وفوضى لا يمكن أن ينتظمها رابط مقابل كل سطر ذي معنى يدل على تصريح مباشر.

( اعرف جناحا فوضويا في المكتبة تخلّى مكتبيوه عن عبث الأعتقاد بوجود معنى في الكتب معتبرين ذلك شبيها بالبحث  عن معنى في الحلم أو في فوضى الخطوط المتشابكة في راحة اليد ، فبالأضافة الى أعترافهم بأن مخترعي هذه الكتابة أنما كانوا يحاكون الرموز الخمسة والعشرين الكامنة في الطبيعة، يشيرون أيضا الى أن تطبيق هذه القاعدة يحدث بالصدفة وأن الكتب نفسها لا تشير الى شيء معين ( هذه المقولة ، كما سنرى ، لا تخلو من الصحة). ساد الأعتقاد لزمن طويل بأن هذه المكتبة تنتمي الى لغات قديمة بائدة. من الثابت أن القدماء ، المكتبيين الأوائل ، كانوا يتحدثون بلسان يختلف عن لساننا . ومن الثابت أيضا أنه على بعد أميال الى اليمين ستكون لهجة الكتب مختلفة ، وعلى علو تسعين طابقا يصبح الكلام هراء. أكرر أن كل هذا حقائق . لكن الصفحات العشر وأربعمائة من تنويعات الرموز ( MCV  ) لا يمكن أن تنتمي الى أي لغة أو أية لهجة مهما كانت محدودة التداول وبدائية القواعد . ألمح البعض الى أن لكل حرف أمكانية التأثير على الحرف المجاور وأن دلالة ( MCV ) في السطر الثالث من الصفحة 71 ليس مطابقة لدلالة الرمز نفسه حين يتكرر في موقع آخر من صفحة أخرى. لم تجد هذه النظرية رواجا. وهناك من قال بكون لغة الكتب لغة سرية ملغزة . لاقى هذا الأختزال القبول وإن ليس بالشكل الذي وضع أسسه دعاتها الأوائل.

صادف المشرف على السداسي العلوي[2] قبل خمسمائة سنة كتابا لا يقل أختلاطا وغموضا عن بقية الكتب ولكنه يحتوي على صفحتين من السطور المتطابقة المنتظمة. عرض المشرف ما وجده على عرافة رموز جوال فأخبره الأخير ان السطور مكتوبة بالبرتغالية. وقال آخرون بالييدية. وعبر قرن من الزمن تم تصنيف تلك اللغة بأعتبارها لهجة سامودية ليتوانية من الغورانية تشوبها تأثيرات عربية قديمة. كما تم فك شفرة المحتوى وهو عبارة عن تلميحات الى خليط من التحليلات موضَّح بأمثلة عن التنوع مع عدد لا يحصى من التكرار والأعادة . اتاحت تلك الأمثلة لمكتبي عبقري أن يكتشف القانون الأساسي لهذه المكتبة. لاحظ هذا المفكر أن جميع

المزيد


أشرف أبو اليزيد(ترجمة وتقديم)

أبريل 13th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة

 قصائد من ديوان سافو ربة الفن العاشرة.

 

في حياة سافو من الاسطورة ما هو أكثر من الواقع، ولها من الخيال نصيب أوفر مما لها في الحقيقة، ولا تكاد الأشعار التي تركتها تنبننا عن سيرتها الكثير، فهي لا تشير الى التفاصيل المفسرة، كما أن المؤرخين لها لا يلحون اف على الشذرات التي لا يخلو بعضها من التجني على شاعرة نذرت نفسها للحب، تعلمه أفضل مما تستمتع به، وتغني له بأفضل مما تعيشه.

سيكتنف الغموض مسارات حياة سافو، منذ اللحظة التي ترى فيها نور السماء. فنحن لا نجد فيما دونته السير أكثر من تواريخ (تقريبية ) لمولدها. وإشارات مبهمة لزواجها، وأسباب متجنية لنفيها عن وطنها، وقصائد غير كاملة لذويها. وحين يتناولها النقاد بالدراسة سيكتبون عن عصرها باستفاضة لا تنالها.

ويتواترون التهم التي لحقت بها دون دحض لها، فلا يبقى من سافو إلا الخيالات التي لا تستحقها، والافتراءات التي طاردتها في الحياة والممات.

 

 

 

ومن هنا كانت إشراقة سافو في أوج ذلك العهد، وكانت أمينة على أفكارها التي كانت كثيرة المعاصرة، ولا شك أنها لم تكن ضيغة الأفق، فلابد أنها قد سمعت بمصر وبابل، وربما بمرسيليا، لكون تلك الأخيرة قد أنشئت بها مدينة فوكايا مستعمرة، وطبقا لراوية النفي، فهي بالتأكيد قد تعرفت مسبقا على سرقسطة، وسيشل. وقد نفاها الطاغية بيتا كرس الأسباب سياسية. رغم أن قصائدها الناجية تركزت على حياتها الخاصة.

ويرجع الباحثين أغلبهم. أن مولد سافو كان في ميتلين. بربوع جزيرة ليسبوس، في العام 612 قبل الميلاد (كتابات أخرى ترى أن تاريخ ميلادها قبل ذاك في 625بإريسيرس في نفس الجزيرة )، واختلف اسم الأب من مؤرخ لآخر.

فهو سكاماندرونيموس، أو يورجيوس، أو سيمون، أو يونيمنيوس، أو إيواركوس، أو إكريتوس، أو شيموس : وان اتفقوا علو اسم أمها كليس. كما زعموا بأن لها 3 أخوة، أحدهم تشاراكوس الذي كان سبب شقاء أخته وتعاستها.

عندما أعتق محظية اسمها دوريشا، بل يدعي البعض أن سافو نفسها كانت مرمسا وأنها جنت بسبب عشقها لفاونPhaon   وهو صاحب عبارة، فألقت بنفسها من على جبل ليوكاديرن.ويقال أن سافو عاشت في تلك الجزيرة معظم سني حياتها.

فتزوجت سيركليس Cercylas وأنجبت له فتاتهما الوحيدة كليس (ويرى أخرون أن هذا كله من الروايات المختلفة ).

 

 

وعلينا أن نتوقع الكثير من شاعرة لها ما حظيت به سافر من صدر. لكن العجيب هو أن تراثها لم يبق منة سوق ما نقرأه في هذا الديوان، وهو قليل إذا عرفنا الأثر الذي تركته وقد قدمها أستاذنا الدكتور عبد الغفار مكاوي للقاريء العربي للمرة الاولى منذ أكثر من 20 عاما، وبلغ ما أبدعته سافو تسعة كتب، ضاعت بسبب الاضطهاد الذي صادفته، والنفي الذي كانت منه، وأحرقت الكنيسة جل ما تبقى منه، فلم يبق إلا صدى تلك الاشعار، ومقتطفات مبتسرة دونها على لسانها معاصروها، حتى جاء العام 1900، ليعثر الباحثون عن الأثار في مصر على أوراق بردى تشتمل على مئات من سطورها، لتعيد الحضارة المصرية تقديم تلك الشاعرة اليونانية، ولترفد البرديات المصرية التراث الانساني الأدبي بالكنوز، عبر لفائفها الورقية المكتشفة حديثا، ولتضيف لرصيد شاعرتنا، وديوانها، المرة بعد المرة، القصيدة بعد القصيدة.

 

 

وقد اخترعت سافو قيثارة بها 21 وترا، كانت ترافقها دائما كلما غنت قصائدها. كما أسست جمعية نسوية أطلقت عليها إسم thiasos   ضمت لها نساء كثيرات. وكسيدة أرستقراطية في ميتلين Myblene   أنشأت سافو مدرسة نسوية صغيرة كرست لما ينضج صفات الأنوثة لدى الفتيات لتحضيرهن للزواج. أما الفتيات اللائي وردت أسماؤهن في القصائد فهن تلميذات سافو أو من كن يشاركنها في الطقوس الدينية :أناكترريا، أتيس، جونجيلا، هيرو، تيماس..وفي قصائدها، تبده سافو الإعجاب بهذه التلميذة النجيبة أو تظهر بعض غيرة على تلك الأخرى. كما أنها تشدو لما تعانيه من أسر الفراق لهن، فيما ترمي في قصائد أخرى المشاعر المتناقضة لفتاة صغيرة على وشك الزواج ولعل هذه الثيمات المتكررة هي ما أوحي لمؤرخي كتاباتها بفكرة اتهام سافو بالمثلية مع فتياتها. وهي التهمة التي ينكرها اختيار عائلات أرستقراطية شعر سافو بالبساطة، والسيطرة الحذرة على العروض، والاستعمال المكثف للصفات، والغنائية منقطعة النظير. كما ابتكرت سافو مقطوعات عرفت باسمها، وهو ما سينبه الان الرباعيات، إذ كانت تتكون من ثلاثة أبيات طويلة ورابه قصير. وهو الشكل الذي أخذه عنها شعراء كثيرون منهم Horace وكاتوللوس. Catullus ويلقب سقراط الفيلسوف سافر بالشاعرة "الجميلة ". أما تلميذه أفلاطون فيهاجم من يقولون إن ربات الشعر تسع "ألا ما أعظم غباءهم » فليعلموا أن سافو ابنة مدينة ليسبوس هي العاشرة ". سترابون، المؤرخ اليوناني الكبير، يرى أن سافو " امرأة فذة عجيبة" والا يرى أن هناك أخرى قد " أوتيت معشار ما أوتيت سافو من النبوغ في فن الشعر" صولون الحكيم يقول "أريد أن أحفظ أشعار سافو ثم أموت".أما المؤرخ المعاصر ول  ديورانت فيري أن الشاعر قديما كانت صفة لهوميروس، مؤلف الالياذة، مثلما كانت "الشاعرة" الصفة اللصيقة بسافو.

ولا يمكن أن تكون أصداء كتلك وليدة الصدف، فهر شاعرة من الطراز الاول بشهادة الجميع. وتظل سيرة سافو حاضرة جيلا بعد جيل.حكاية المعلمة التي تلهم تلميذاتها، ترشدهن إلى حياتهن المستقبلية، وتعلمهن الشعر والموسيقى، مثلما تعلمهن الحب. وتثير غيرة أقرانها، ولا تنسى أن تقدم النصح لعائلتها.

1

أبلغي كل إنسان

الآن، اليوم، بأني

في عذوبة سأغني

لمتعة من صادقتني

2

ولسوف نستمه معا بالغناء

مثل من تجد

بالخطايا، وربما في الحماقة

والحزن ما ينسيها

3

كانت وأقفة بجوار سريري

بصندليها الذهبيين

والفجر في ذات

اللحظة أيقضتني

4

اسائل نفسي

ماذا، ياسافو، بقدورك

أن تمنحي لمن

تمتلك كل شيء

كأفروديت؟

 

 

 

وأجيبها

سأحرق قربانا

من عظام الفخذ المكسورة بالدهن

 لعنزة بيضاء

على مصلاها

6

أعتراف

أنني عشقت قد ما أرهق

حالي. وآمنت

بما للعشق

من نصيب في

تألق الشمس

وعفتها

7

في الظهيرة

والأرض

تضيئها ألسنة لهيب

يتساقط كرمح عمودي

يطلق صرصار الليل

- عاليا كقذيفة-

غناءه بحركة من جناحيه

8

أخذت قيثارتي وأنشدت

تعالي الأن،

يا صدفة سلحفاتي المقدسة: كوني

آلة صادحة

9

برغم أنهن

محض أنفاس وحسب، لكن الكلمات

التي أملكتها

خالدة

10

في ذلك العصر

تينع الفتيات ليتزوجن

وتلوح تيجان

الزهور بقلائدهن  

 

 

سمعناهما تنشدان:

الصوت الأول:

أدونيس الصغير

يحتضر! آه سيتيريا

ماذا نفعل الآن؟

 الصوت الثاني

 اضربن صدور كن

بقبضات الأكف، أيتها الفتيات

ومزقن ثيابكن!

12

ما من فائدة

أيتها الأم العزيزة، فأنا

المزيد


بوشتي ذكي، ومحمد المسعودي

مارس 19th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة, شعر

مختارات من الغزل الأمازيغي

يعتبر الغزل غرضا متميزا في الشعر الامازيغي إذ نال مالم تنله الأغراض الشعرية الأخرى من اهتمام ويرجع ذلك الى كونه غرضا شعريا لا يرجى منه جزاء ممدوح ولا حق صداقة ولا اعتراف بجميل كل ما في الأمر أن قائله يتوخى تصوير حالته النفسية وما تعرفه من هزات عاطفية مرتبطة بتصرفات المحبوب وردات فعله الموزعة بين مد الوصال وجزر الهجران بين فرح اللقاء ولوعة الفراق والقلب بين هذا وذاك يوثق ترانيم الاشراق وبصمات الكسوف يداري ويكاشف يتوهج ويخفت .

بهذه الصورة حاول الشاعر الامازيغي مقاربة معاناة القلب وتصوير لواعجها من خلال التركيز على مشاهد توالي الهزات والسكنات وتوالي آهات الانتشاء وزفرات اليأس ومن هنا كان الحديث عن الأشواق الباب الاول الذي عبر من خلاله للتعبير عن ألامه وبذلك اغتنت صور المعاناة المجسدة للشوق وتميزت بغنى كبير ففي هذه المختارات – كما سيرى القاريء – يصور الشاعر في لغة مباشرة أحيانا وفي لغة رمزية مجازية أحيانا أخرى رؤيته لما يعانيه من شدة الاشواق ومن قساوة الحبيب ولا مبالاته، والملاحظ في هذه النصوص أن مخاطبة المحبوب صيغة متكررة إما في شكل شكوى وتضرع أو في صيغة دعاء على هذا الحبيب، ويستمد التصوير الشعري مقوماته من البيئة البدوية المتصلة بالطبيعة بحكم أن أغلب الشعراء يعيشون في البوادي فالشوق عند أحد الشعراء يذري قلبه كما تذري المقشة ندف الصوف والشوق في تصور شعراء آخرين ضباب يغشى القلب ويعميه عن الرؤية كما يغشى الضباب قمم الجبال وهذه الصورة تتردد كثيرا لدى الشاعر الامازيغي الى جانب صورة النار التي تلتهم الحطب والأشواك التي تحاصر الحقل وهذه المشاهد النمطية تجسد شدة معاناة تباريح الشوق وآلامه ولا تخلو هذه المختارات من صور فنية جديدة بارعة في التعبير عن مرامي الشاعر الامازيغي كما نلمس في العديد من نصوص هذه النماذج المختارة : 

* الأشواق

1-  زيخ دا عمون إموراي ونا مي صحانت والن هان العيب إكا تنو .

 

     لقد ادركت أن الاشواق تعمي العيون  ها قد انكشف أمري

 

 2- ترخ إربي يا غول أيي يجران    أك ئنق ؤماري أها أتيد إلينان

 

دعوت الله أن يصيبك بما أصابني     يشتد عليك الشوق فتئن أنينا

* المحب

    3-ييخ تين طوبيس سموتون لغاشي   شا يتكز شا يولين ئدام غيفي ؤمارا .

 

_ أصبحت كحافلة عمومية تلتقط المارة  البعض يصعد والبعض ينزل حتى طال ألمي .

 

   4-   ييح تين صابون وامان     ئيفاسن ؤحبيب أي سامومن

 

- أصبحت كقطعة صابون وقعت في الماء    تنهكني يدا الحبيب

 

 5- ييح تين تغبا لوت ؤعافوس غيفي    كوياس ألا تاوين ئينا من أطاس غوري

 

أصبحت كنبع التف القوم حولي   يرسلون دوما دلوهم طلبا للماء .

 

الحبيب

 

6        - ماش يورون أزين ماتا شكين     أداخ تمسواث د ؤفروخ ؤغلياس

 

-من أنجبك أيتها الحسناء ومن تكونين ؟   لقد ضاهيت بحسنك شبل الفهد .

 

 

7-   لحمد لله ؤور نزيخ وين تمازيرتينو    ؤور نزيخ أكسوم أديس سق تورين

 

   - لن أبدل حسناء بلدتي بغيرها    كمن قارن الرئة بطعم شرائح اللحم اللذيذة ؟

 

8-   تاقموت ؤبراد أيا سمون     لا تفراغت دي تاطفي

 

  طاب رضابك أيها الحبيب   ارتشف لذته كالشاي .

 

9-   ريخش ؤرتييد ؤلت تمازيرت     مكان تيا تينو تنيش

 

    

المزيد


ظبية خميس

مارس 11th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة

الشعر وبوابة الحرية

 

·        مقتطفات من مداخلة للشاعر الهندي

·        جيناتا ماهابارتا

( هناك بوابة في قلب الإنسان لا تفتح ، أبداً. وأن فتحت مغاليقها ، في بعض الأحيان ، لا نعي ذلك الإنفتاح في داخلنا.

عندما تنفتح تلك البوابة ، فإنها تمضي للكشف عن عالم آخر : عالم يغيب فيه الزمن ، ويتسع فيه الفضاء. ربما تمتلئ الذات بالمدى ، والضوء.

عندما يكون المرء طفلاً ، يبدو ظلام العالم حقيقياً بالنسبة إليه ، وربما أمسك بطرف ذلك الضوء الذي يأتي من البوابة ، ذاتها ، ليحدق في الخارج وهو أعمى.

الضوء السري يرفع ذلك الطفل ، وينير له الطريق ، حاملاً إياه إلى مكان لم يعرفه من قبل، إلى ضوء الحرية ).

(بالنسبة إلي ، اليوم ، ما أدعوه قصيدة جيدة ، هي تلك التي تأخذني إلى عناصر الحياة عبر متعة الكلمات. أن الشعر الحقيقي قادر على تحرير الشاعر والقارئ من متطلباتهم الإعتيادية ، ومساعدتهم على تجاوز المألوف. ربما كان ذلك هو سحر القصيدة.

ما هي حرية الشاعر ؟ أهي الطريق عبر الأماكن التي لا نعرفها في القلب. ذلك الطريق الذي يبدو غير حقيقي ، وبطبيعة شفافة ومع ذلك فإنه يتقن حدث الموت ؟ )

( أياً كانت تلك الحرية ، لا نستطيع أن ننكر أن خلق الكتابة الشعرية يملأ حاجة داخلية ، أكيدة ، تسمح للشاعر بتجاوز ذاته ، بينما يحاول جزء منه أن يحارب سيطرة العالم عليه. أن فعل الكتابة ، نفسه ، يمنح ميلاد الحقيقة. وهكذا ، فإن فعل التعبير يتحول إلى أهم أنشطة الإنسان ، محولاً القصيدة التي يصنعها الشاعر إلى رمز للتحرر ، والخلق).

(بشكل عام ، يشعر المرء أن هناك نوعان من الشعر المكتوب , في هذا الزمن ، وفي معظم دول العالم ، تقريباً. النوع الأول ، ذلك الذي يخدم متطلبات المؤسسة ، وهو شعر آمن ، نسبياً، لأنه لا يحمل أية مخاطر للشاعر. والنوع الآخر ، وقد كتب في الماضي، أيضاً، هو الشعر الخطر ، لأنه شعر ينتقد المؤسسة لذلك فإن شاعره يعيش حالة تهديد دائم. هنا أنا لا أتحدث عن الشعر "السياسي" ولكن عن الشعر الذي يكون الشاعر أو الكاتب مسئولاً عنه. تلك المسؤولية تكون ممكنة عندما يكون الشاعر مسؤولاً أمام صوته الداخلي ، أو ضميره الخاص. هذا لا يعني أن على الشاعر أن يحل محل الفيلسوف أو رجل الدين ، ولكن هي تجربة ذلك الصوت في الداخل، ومواصلة ما عليه أن يفعله في كل تلك اللحظات التي يعيشها في هذا العالم).

(الشعر هو ذلك الغريب بداخلنا .. الإنسان الذي يحيا في الداخل ، بدون أن نعيه ، والشاعر دائماً مطارد بهوس البحث عن ذلك الآخر بداخله. لذلك فإن أسئلته هي من أنا ؟ من أين أتيت وإلى أين أمضي ؟ كيف علي أن أحيا ؟ وكيف أستطيع أن أرى ذلك الذي لم أره بوضوح من قبل؟ أين أنت ، أيها الآخر ؟ أليس لي حق موتي ؟

أسئلة بسيطة للغاية ، إلا أنها صعبة الإجابة. يجيبنا الصمت كهدير الموج على الشاطئ. أفكارنا هي مرحلة ، الشعر هو مرحلة .. والمرحلة تمتلك كمية كبيرة من الحرية والطاقة ).

(ربما يكون الشعر ، دائماً ، محاولة لإزالة عائق الزمن من العالم. القصائد سوف تكتب دائماً لتفعل ذلك عبر الصورة ، الرمز ، والقدرة التخيلية. الزمن ، موجود ، دائماً ، يمضي ، دائماً، يجبرنا على اليقظة خلال نومنا ، يجبرنا على الإستماع إلى بعضنا في صمت الليل.

تقول إحدى مقاطع (الفيدا) :

الزمن يقودنا كحصان بسبعة أسرجة ، الآلاف ينظرون ، بدونما شيخوخة ، حاملين تلك البذرة. هو وحده ، الشاعر الملهم ، يمتطي الزمن ، جاعلاً من عجلاته كل الكائنات).

 

·        من مداخلة للشاعرة الصينية

·        يانغ ليوهونغ

( .. وأنا أقف تحت شجرة التفاح في ثورة الربيع ، أنتظر أحضان ريح المساء ، تتساقط الزهور من رأسي حتى قدمي. أشعر أن قلبي يتفتح في ملامستهم الصامتة ، والتي كما علمتني أشعار طاغور ، هي إحدى طرق منارات الحرية في الشعر. وهذه هي البداية ، فقط.

الزمن وضوء الشمس أعطيانا قوة النمو ، والبقاء ، مضيفاً إلى تجاربنا. دعونا نقترب من الحرية خطوة ، فخطوة آملين أن تقبلنا الحرية ، كما كتبت في قصيدتي " البوابة "

.. أتمنى

أن أحداً ، فجأة ، من داخل الباب سيقول

تعالي ، رجاءاً

أو على الدرج خلفي

سأسمع وقع أقدام مألوفة

وسيقول أدخلي من هذا الباب.

ألا أن أملاً كذلك ، سيبقى مجرد أمل. في الأخير ، كل منا سوف يدخل حدود حريته هو ، وحيداً ، كفرد. أن تنفس قارئنا ، وحياته تربط شعرنا بتلك الحرية. هناك لا الزمن ، ولا الفضاء يمتلك أية أهمية. المهم أن الأبدية الروحية تحفظ من خلال الشعر.

المرايا في كل النواحي

تعكسني.

أود أن أتراجع عبر البوابة ،

وإذ أقيس الفضاء ، أكتشف                       

إنني تحولت إلى بوابة.

إن حرية الشاعر ، حتى بعد أن يعبر آلام الحياة وصهرها له ، تشعل قصائده بشفافية جلية، جمال ، وخير. وفي هذه المرحلة ، الشكل واللغة يتحولان إلى عفوية صادقة مشعة بنور جديد).

(الشعر ، كالنبوة.

إنه يستبق الرسم ، الموسيقى ، الرقص ، الرواية والدراما بقدرته على إستباق الفكر والزمن وأحداث التاريخ.

القصائد ، أحياناً ، هي ملجأ الحياة للحرية لقلوب ليست حرة.

السبب أن بعض الشعراء يشعر أن لديه حرية كافية هو أنه لم يسبق لهم أن رأوا أو تخيلوا حرية النسور. أنهم مثل طيور في قفص ، متى ما أطلقتهم سيغمرهم الضياع في حرية غير مألوفة ، عاجزين عن إستخدامها ، شاعرين بالعجز وهم يمتلكونها. إنهم يتمنون العودة إلى القفص، ليعثروا على الإستقرار والأمان الذي يرافق المهيمن عليهم. في القفص ، فقط ، يستطيعون الغناء حول الحرية التي يتعطشون إليها ، وخضرة الأشجار.

إن النسر ، وحده ، هو الذي يعي السلاسل المحطمة ، قمم الجبال الثلجية ، والمحيطات الشاسعة في قلبه. إنه يستطيع أن يلمس الحياة والروح وأن ينشر في الينابيع النقية دمه ، وروحه أو شعره.

الشعر سيعيش ، خالداً ، لشوقه للتحليق. سيصمد عبر التحليق ، بدونما فناء. إنه في نضاله ضد الرياح ، سوف ينحت نفسه في قلوب أولئك الذين يلتصقون به ، وسوف يعبر من جيل إلى جيل).

 

·       

المزيد


اوليانا فولف - ت عبد الرحمن عفيف

مارس 10th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة, شعر

 قل لي حبيبي، هل رضعت اليوم؟

 

 

1979- برلين

أرانب غباريّة

أحببنا التكلّم عن حيوانات صغيرة، أردنا أن نقف على ركبنا لأجل الحيوانات الصغيرة، تلك التي من الغبار والوحل، في الشقوق والدهاليز، تلك التي ترتعد بردا في فروها الرماديّ، حيواناتنا التي من اللاشيء. أحببنا أيضا أن ننفخ عن قرب في لغتك وفي لغتي، قل لي حبيبي، هل رضعت اليوم. لا، لم نرد أن نفزع حيواناتنا، صغيرة مثل بقع، أهذه بقع، أليس لها أذناب مخصّلة، معالق طويلة، أو أذناب طويلة، آذان متهامسة، ألم نرد أن ندخّن أقلّ، نسعل أقلّ، نكون أقلّ في وضع الالزام. أمس كانت زاوية الغرفة وحيدة في عزلتها ذات الصرير. هي اليوم مأوى، هي اليوم مرفأ للحشود الرقيقة، نريد أذاً أن نكون هادئين، نصيخ السمع ونحن على الركب: حيواناتنا الصغيرة، كيف تبادل أسماءها التي من الفرو، التي من رماديّ القمر.

•••

 ردهة اليقظة  1

 

آخ لو أنني فقط بقيت في ردهة اليقظة

ضائعة الأحلام مربوطة القطرة تحت

الملاءات البيضاء بجانب آخرين لم

يجدوا هم أيضا أنفسهم

قطيع غنم على وشك النوم

وقريبا من الله والسلوان هنا

كانت أخوات حيوانات كبيرة

رعاتنا يميلون بأنفسهم مخمليّين علينا-

ووضعنا أنفسنا أمام لغز الأرقام

الانسان: من الواحد إلى العشرة على مقياس

قل كم كبير ألمك؟- وإن لم تكن هناك حدود على

مرأى النظر تطلقنا من العمق مما بعد التخدير-

لبقينا جدّ قريبين من هذه الأنا

التي بالكاد يمكن تمييزها عن الخرفان الأخرى

التي ترعى هنا بعضها بالقرب من البعض في

ردهة اليقظة.

•••

 

ردهة اليقظة 2

 

آخ لو أنني لم أكن قطّ في ردهة اليقظة

صمّاء مرميّة على الشاطىء مهتزّة في

القارب الصغير الأبيض بالقرب من القوارب

الأخرى مربوطا-

نعم هذا هو الميناء الأخير هو قناة النوم

الضيّقة بأخوات سوداوات تقف

كمحكمة جزائيّة على الشاطىء وتتوعّدك

بأصابع حادّة: قطرة وشيطان يا حبيبي

تستطيع أن تسمعني ولا تستطيع أن تسمع

شيئا فقط هذا الصمت في القنوات ماء وضوء

مطهّر يغذيك على شكل قطرات من الانبوب-

حين من تحت سريرك يخطفك البحر بضربات سريعة

إلى حلم النجم والكاتم بعيدا عن ردهة اليقظة.

 

•••

 

أرشيف الأدب الألمانيّ في مارباخ

 

تحتوي هذه الصناديق على نساء

لا يمكن العمل عليهنّ ومراجعتهنّ

في الملفّات يمضي الشتاء ما يناقض

الحجّة بدون أيّ حجّة

كلام بدون عودة

معنون برماديّ باهت

قابل للاستعمال: بشكل محدّد

من الاسم لا يمكن قراءة

اليأس ولا تجد في أيّ مكان

جملة تقول عنادي هو أداتي

وبكمي

الأثر المسلّم إلينا

يضيّع نفسه

من أراد أن يقول هكذا وهكذا

أن يسجّل واحدا بإذعان

أو تغضّنا عنيدا على الجبين.

 

•••

أغنية أطفال

 

أبي

البوّاق القصير

وهب دمه

لأجل حلوقنا

مغنّين نسافر به

في الدرقة

لاهين نحفر

قبره

حارسي

البوّاق القصير

بالصفيح

على شفتيه

ينفخ فينا مارشه

حين تخرج القلوب

من تحت الغطاء.

 

•••

كتاب ممرّي

 

-1-

 

آبائي

المزيد


المدى الثقافي

فبراير 11th, 2009 كتبها houratik نشر في , ترجمة

شاعرات موءودات وقصائد ممزقة..

  مختارات من الشعر النسائي الأفغاني

عن الشعر في ظل القمع، عن الروح المتأملة وهي تصطدم بسيوف التطرف، تسترعي انتباه القارئ، قصائد قادمة من جبال كابول وقندهار وهرات، قصائد تحكي انتهاك التعصب لكرامة المرأة، وحريتها واسرارها،كرامة البلاد وجمالها، مقاطع شعرية تروي سيرة النار وهي تنتهك الجسد والعقل، قصائد تواجه قسوة الدم والنار المشتعلة في شوارع كابول، تصرخ ليصل صوتها الدامي لقراء نائمين في مرح الشعر وكسل الحياة. في صفحة آداب شرقية نقدم للقارئ نماذج ومختارات من الشعر النسوي الأفغاني ، ولا نطمح بالطبع إلى تغطية كل تلك التجربة المريرة التي نزفت في أفغانستان، لكننا نأمل بتقديم فسحة من هذا الشعر الذي عكس فجائع ومآسي ومرارات لفت وديان قندهار وكابل. نقدم هنا مختارات من قصائد أفغانية تذكر بتجارب مريرة أخرى تعكس قسوة ودموية الأحداث أيام حكم طالبان، التي مسخت الحياة والشعر والمرأة وقبلها كرامة الإنسان الأفغاني.

قصائد اللاندي.. مختارات من شعر البشتونيات في وديان المنفى

سيد بهاء الدين مجروح

أشعار سرية تتناقلها شفاهياً نساء قبائل البشتون في أفغانستان، عبرن من خلالها عن ألوان من الرغبة والوله، واللهفة والألم والقلق والحرمان، والشغف بالطبيعة، هذه المقاطع التي جمعها من مصادرها سيد بهاء الدين مجروح وترجمها إلى الفرنسية بمساعدة أندره فيلتير، مقاطع كشفت عن حضور المرأة الأفغانية وعن حسها الإنساني كمبدعة تحايلت على الظروف، وهي من جانب آخر زفرات نساء محرومات مقموعات في مجتمعات البشتون الصارمة، حيث الهيمنة الذكورية مطلقة، والنساء منصاعات بخنوع ممزوج بغواية الأنثى.

نساء البشتون لا ينتحرن بالرصاص، ولا بشنق النفس، فالسلاح والحبال من أدوات الرجال، وأجسادهن لا تجد راحة الا في أعماق الأنهار: قفزة واحدة إلى الهاوية ويُغرق الماء كل الأحزان والرغبات.

إذا مات حبيبي، لأكن كفنه

هكذا نتزوج الرماد معاً.

***

يا إلهي، لا تدع امرأة تموت في المنفى

ستنسى اسمك، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة

لن تفكر سوى بمسقط رأسها.

***

في يدي وردة تذبل

لا أعرف لمن أعطيها في هذه الأرض الغريبة.

***

إما أن تكون على صدري دائماً

وإلاّ فالأفضل أن تكون بين ذراعي الأرض المعتمتين.

***

مرر يدك بهدوء في تجويف يدي

ما أن أزهر رمان (قندهار) حتى نضج.

***

حبيبي عقد على عنقي

قد أسير عارية، لكني لا أبقى لحظة بلا عقد.

***

تعال لألمسك، لأحتضنك

أنا نسيم المساء الذي يموت قبل الفجر.

لنســــاء أفغانستان

شيماء كلباسي

أمشي في شوارع كابول

وخلف النوافذ الحزينة

قلوب محطمة، نساء محطمات

لا رجال في الجوار

لأنهم يموتون جوعاً بينما يتوسلون الخبز

مدرسون وأطباء وأساتذة ضائعون

بين البيوت الجائعة

لم يتذوقوا حتى القمر

يحملون أجساداً بملابس كالكفن

أصواتهم لا تسمع

لا لون في عيون نسائهم

نسائهم اللائي لم يرين الا الدم

لا خبز هنا

سوى رائحة أجساد أولادهم العفنة

آذانهم لا تسمع

سوى زقزقة أمعاء خاوية

يبكون على أصواتهم المخنوقة

مع كل صوت للنار والإرهاب.

نزيف افغانستان

الشاعرة الأفغانية نيشا

أفغانستان، يا أرض العبودية

والجمال.

من أهانك؟

لتكوني غنيمة،

ما ذنبك؟

وأنت تسعين للحرية

وحوش بملابس قصيرة

عروك من الكرامة

أفغانستان تحسدها الجنة

أحالوك رمادا بالنار

النار التي أحرقت الحياة

أحرقت الجمال

والكرامة

أحرقوا كابلك المسلوبة

واغتصبوا مبانيك الجميلة

حيث صار الموت أرخص شيء

حيث الحياة تنوح

حيث دنست الطهارة

التلال والوديان توهجت بالدماء

بسبب طالبان.

 

 كيف ستشعرين

لايديا براكت

اسم مستعار لشاعرة أفغانية

لا أحد يميزك

وأنت تمشين في شوارع المدينة

كيف ستشعرين؟

وأنت عبدة

تحت رحمة زوج متطرف

تضربين

تقطعين

تعذبين حد الموت

بصرخات لا جدوى منها

كيف ستشعرين ؟

عندما تسجنين عن هواء العالم

عندما تمنعين من العمل

من التعليم

حياتك لا معنى لها

عندما لا تستحقين

اسمك

المزيد


التالي