امرأة من ضوء
نشر الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه مجموعته القصصية " امرأة من ضوء " في العام 1985 .. عن المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ، وفي هذه القراءة سأقتطع من هذه المجموعة قصتين ، ثمة خيوط تربط بين كل منهما ، حيث القصة الأولى المعنونة ب " شمس الأمهات " ص 65 و الجنون " ص 93 " حيث كلا من القصتين ، تعرض لعلاقة طرفي المجتمع ، لرجل والمرأة ، علاقة في مجتمع مريض ، فكيف قارب الكاتب احمد إبراهيم الفقيه هذه القضية ، سنحاول معرفة ذلك من خلال هذا الاقتراب من عالم القصتين وستكون " شمس الأمهات " والتي تعلن من اختيار الاسم ، أن للأم في هذا المجتمع ، الذي يسلط عليه الكاتب مجهره " دور هام ورئيسي ، وسنعرف قيمة هذا الدور وحدوده اللامتناهية خلال هذه القصة التي تبدأ ، والسارد الذي يتكلم إلينا يحكي عن مشاجرة ، المشاجرة التي كانت لآجل أنثى ( تبدو حرجة خجولة تدفن رأسها بين كتفيها " ص 65 " والراوي أو السارد للقصة ، يكتشف أن هذه المرأة التي كانت المشاجرة لأجلها ، ما هي سوى (ليلى خطيبته ) حينذاك (أخذت الفتاة بمجمع قوتي أهزها من كتفيها واسألها تفسيراً لهذا "ص65 " ويأمر خطيبته بالعودة للبيت ليتفاهم معها فيما بعد ، ثم يدخل معركة تنتهي باقتياده إلى مركز ( الأمن الشعبي ) مع المتعاركين الآخرين وعندما سأله شرطي التحقيق عن سبب المشاجرة ( لم أجد ما أقوله سوى أنني رأيت رجلين يتعاركان حول خطيبتي فلم أتمالك نفسي من التدخل " 2 66 " إذا فهي حول خطيبتك " يقول شرطي التحقيق ".. )كانت خطيبتي( . وجدت نفسي أقولها دون سابق تبريرا يقول الراوي " ص66 " هناك مفاتيح متناثرة داخل الحكاية ، فأن يكون هذا الراوي قد جاوز هذه السن ،وحين كتابة هذه القصة " 19 / يناير / 1981 " فهي فترة محددة ، تؤرخ لنهوض المجتمع ، ولوجود جيل مختلف عن سابقيه ، مجتمع متغير ، متطور ، ومنفتح على تيارات عدة ، وعلى مجتمعات أخرى ،و على رؤى مختلفة عما سبق ، لذا كل هذه القوة التي بدأت في شخص السارد لن تكون غريبة عنه ، محاولته الاختيار ، محاولته فك الحصار عن أحلامه ، وأن يكون ذاته وتفكيره ، لكن ليلي مجرد بنت على مقاعد الدراسة ، ومازالت تحلم وتواصل التحليق في فضاء جديد ومغاير ، (ليلي تبدو هشة وضعيفة رسائلها خجولة محتشمة) ،أسرة ليلى هي التي كانت كما وصفها الراوي (تقبل بنشوء علاقة معلنة) ، ليلى لم تعرف أن تعيش الحب حراً طليقا في بيئة مغلقة ، قامعة ، هي فقط جزء من تلك الأسرة المختلفة ولربما بخطوات مازالت غير واثقة ، في مجتمع يمور بمتغيرات كثيرة ، إذا هي من جيل لم تتكون ملامحه ،ولم تختره ، لقد ظلت ليلي عاجزة أمام شكوك الحبيب الذي خطبها ظلت تبكي ،وظلت تلك الأسرة المتفتحة غير قادرة على حماية هذه النبتة، إن القصة بدأت بمشاجرة وانتهت بأم تشق المسرب ذاته تحفره عميقاً وتردم جيلاً حاول أن يكون مختلفاً ، إن الراوي حين كان في منطقة القول لم يحدث له شيء سوى ذلك الشعور الساحق بالصحراء التي تحيط به ، ولكن حين أصبح قوله فعلاً ، ودخل الراوي حلبة الصراع بشكل معلن ، وشق مسرباً أخضر في هذه الصحراء ، حينذاك استنفر المجتمع كل قوته .لقد استنفر قواته الكامنة في ذات الراوي نفسه إن ذلك الاتهام الغير صريح الذي وجهه شرطي التحقيق للراوي "إذا هي خطيبتك "؟
استنفر ذلك المخزون وجعلت الراوي يقول " كانت خطيبتي "؟ إن آليات الدفاع التي عاش المجتمع يسقيها بعد أن غرسها جيداً في ذات الراوي.كفيلة بأن تجعل هذا الخارج / العاصي " يعود إلى قواعد مجتمعه سالماً ، لقد فقد البهجة في حب ليلي ، وصار يراها في صورة كل امرأة متهمة ويفكر فيها بشكل مختلف ، فبعد أن كانت رمز الحشمة والخجل صار يفكر " ربما كان زميلها في الدراسة الابتدائية " لعل أحدهما كان يجلس معها في مقعد واحد وربطته بها علاقة منذ ذلك الوقت "ص 74 .. لقد صار يفكر أيضا " " أنه ربما كانت لها عوالم أخرى قبله) : لقد بدأ نظام المجتمع الدفاعي داخل ذات الراوي يعمل بضراوة فتراءت ليلى في كل وجه فتاة سافرة . متحررة إن هذا المدخل واستعمال ضمير المتكلم ؛ والتوجه بالخطاب إلينا ، كلها أقنعة ، يحاول من خلالها الراوي ، تهيئة المتلقي ، لكي يكون معه ، في أن القرار الذي اتخذه تجاه خطيبته " ليلى " هو قرار صائب ، وعادي جداً ، هذا السارد ، صاحب القصة لا يريد أن يحمل العبء وحده ، سنراه خلال هذه القصة ، يجعلنا كمتلقين نتعاطف معه ، ونبكي معه ، ونصفق إعجاباً بأنه كائن مفرد ، حر يتخذ قرارات تخص حياته دون اهتمام واعتبار للسائد والمألوف في مجتمعه ،لكن بداية القصة ،و الحدث الذي فيها " المشاجرة " وخطيبته ليلى وشرطي التحقيق الذي يقول : إذاً فهي خطيبتك ؟ وتدخله قائلاً :- كانت خطيبتي ؟ ستفضح مكنون هذا الشخص ، الذي لن يكون له اسم ، لكن خطيبته ستكون ذات أسم متعين ، وشخصية متحققة ، خلال القصة سيروي لنا كيف تعرف على ليلى وعلاقته بها التي دامت لأكثر من عامين ،وانتهت من أشهر ثلاثة ، بإعلان خطوبتنا ) ص 67 في القصة يحدثنا عن شخصية امرأة أخرى ، هي أمه ، أيضا كما هو ، بلا اسم ، سوى هذه الصلة أنها أمه ، التي تطوف بيوت الأقارب والجيران ، تبحث عن بنت الحلال التي تريدها زوجة لي " وكلما رفض هو عرضاً من عروض أمه ،جاءت إليه بعرض آخر ، ثم يعلل سبب موقفه هذا قائلاً ومتوجهاً طبعاً بالخطاب إلينا ( : أحاول أن أشرح لها كيف أن المرأة التي ستشاركني حياتي يجب أن أختارها بنفسي ، لا أن تختارها أمي لي " ص 62 وأنه لن يرض " الزواج بهذه الطريقة القديمة البدائية " حتى لو ظل عازباً أبد الدهر ، لكن الأم تواصل طوافها بالبيوت ، حتى أصابها اليأس فتوقفت منذ بضعة أعوام عن البحث : لماذا؟ يقول :- وكأنها ظنت بي العجز فلم تعد تفتح الموضوع أمامي : سيواصل نثر حكايته أمامنا ،كيف جاء بليلى ذات يوم ليقدمها لأمه ، كي تكون زوجة له وابنة لها .. الذكريات مازالت تتداعي ، ليلى ورسائلها إليه " كانت رسائلها خجولة محتشمة كأنها تجد في الإفضاء بمشاعرها إثماً أو خطيئة " هو يحدثنا كيف أن اليأس كاد يصيبه من وجود امرأة يحبها ويختارها ، وبأن حياته ( مجرد سفر في الصحراء ) ص 70 و ( فجأة أشرق وجه ليلى ) .. و ( وجدت لديها عائلة تستوعب روح العصر ، فتقبل بعلاقة تنشأ بيني وبين ابنتهم في النور والهواء " وظل بعد إعلان الخطبة يعيش " على أمل ذلك اليوم الذي يجمعنا فيه عش الزوجية السعيدة ص 71 وهذه الحكاية وهذا الاستدعاء ، يقدمه السارد صاحب الحكاية ، بعد حدوث المشاجرة وتعارك الولدين لأجل امرأة ، التي اكتشف أنها خطيبته ، فيقول :- ( تهدم الآن كل شيء ) .. (وها أنا مرة أخرى أعود إلى صحراء التيه وحيداً ) ص 72 لكن البحر صديقه وحين ذهب إليه ووقف أمام اتساعه ، اكتشف أنه هول الآمر ، فيذهب لخطيبته ، لكن المفاجأة أن ليلى لم تخرج ذلك اليوم وتؤكد أمها ذلك ، فيخرج غاضباً ،لكن تغييراً يصيب داخله




















قلوبهن حليب الرغبة
·
نساء ليبيات في أمسية




