محمد عبد الحكم دياب

كتبهاhouratik ، في 27 يونيو 2009 الساعة: 19:19 م

مقارنة حصة المرأة في البرلمان بما آلت إليه نسبة الفلاحين والعمال!

 

جدل واسع يدور في مصر حول دستورية تخصيص 64 مقعدا للمرأة في مجلس الشعب ( وليس مجلس الشورى ).. كحصة عرفت رسميا باسم ‘ الكوتة ‘ ، ويطلق عليها المصريون وصف ‘ الكوسة ‘ ، وهو تعبير شعبي يعني الوساطة والتمييز بين المواطنين . وما بين الكوتة والكوسة يدور السجال، وهو من أوله إلى آخره لا يقوم على أساس .. وهذا لا يعني أننا ضد تمكين المرأة والدفع بها إلى مجالات العمل العام والمشاركة السياسية، وإن كان ذلك شيئا مفتقدا بين الرجال والنساء على حد سواء . وبدلا من إصدار مثل هذا القانون كان الأحرى التعرف على أسباب تراجع دور المرأة في العقود الأخيرة لدرجة خلو قوائم الحزب الحاكم الانتخابية من وجودها تقريبا . والملفت للنظر أن التراجع بات ظاهرة بين أبناء الطبقة الوسطى. فما زالت المرأة في الريف وبين الشرائح المحرومة والمعدمة تعمل وتكدح وتكابد دون غطاء أو نظام حقيقي للرعاية والحماية يحصنها ضد غوائل الزمن ومفاجآت الأيام . إذن تمكين المرأة واجب، ووضع التشريعات لحمايتها ضرورة . وأما ما جرى فلا علاقة له بالتمكين أو التمثيل الحقيقي للمرأة . والاعتراض على القانون ليس من باب رفضه إنما من باب الطعن في شرعية السلطة التي أصدرته لدورها في إفساد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، ووجودها من أساسه قائم على البطلان. فقد تأسست على التزوير والتدخل الأمني السافر. وإصدارها لمثل هذا التشريع لا يغطي البطلان. وكل ما في الأمر أن أهل الحكم في حاجة إلى تقديم أوراق اعتماد جديدة تجعلهم أكثر قبولا لدى مؤسسات ومنظمات وحكومات أجنبية قد تساعدهم في حسم قضية خلافة حسني مبارك. وهذه الخطوة لزوم ما لا يلزم، ومطلوبة لإعداد المسرح السياسي لتسهيل عملية التوريث. ومهما كانت الملاحظات فإن تمكين المرأة حق .. إلا أنه الحق الذي يراد به باطل .

كان من الأفضل أن يكون بديل التمييز المخل بقاعدة المساواة القانونية هو تهيئة مناخ صحي يحرر المجتمع بمكوناته، وليست المرأة فقط، من القيم والقيود والرواسب الاجتماعية والثقافية المكبلة لحركته وتقدمه، وكلها تتحكم في سلوك وتصرفات الحكام والمحكومين . يتساوى في ذلك الحاكم والمحكوم والجاهل والعالم . كما هو الحال في ظاهرة الثأر في صعيد مصر التي لا يبرأ منها أحد . والتمييز القانوني والسياسي ليس جديدا على الحياة السياسية المصرية. فقبل ثورة 1952 كانت الثروة أساس التمييز . وكان يشترط لمن يتقدم لانتخابات مجلس النواب أو الشيوخ نصاب محدد من الأرض الزراعية أو ثروة نقدية على شكل سندات أو أسهم في الشركات، أو أصول عقارية تدر عليه دخلا كبيرا. وكان شرط ترشيح عمد القرى للتقدم لانتخابات العمودية توفر نصاب محدد من الأراضي الزراعية . وبعد الثورة حدث التمييز العكسي. انتهى بالنص على ضمان نسبة خمسين في المئة على الأقل من مقاعد المجالس النيابية والشعبية للفلاحين والعمال، وتمثيلهم في مجالس إدارات المؤسسات والشركات العامة والجمعيات التعاونية الحرفية والتجارية والزراعية . وما آل إليه وضع الفلاحين والعمال من الممكن أن يحدث للمرأة .

حين صدرت تشريعات تمكين الفلاحين والعمال كان المناخ مواتيا ومبشرا . وقد كانوا وما زالوا يمثلون الغالبية الكاسحة للشعب، في نفس الوقت كانوا هم الأكثر حرمانا واضطهادا . وعلى مدى سنوات عشر (1952 ـ 1962) من التجريب تم التوصل إلى هذه النسبة كضمان للحفاظ على مصالحهم. وبدت قوانين الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية ومنع الفصل التعسفي للعاملين غير كافية . وهذا تم مع توالي التشريعات التي عدلت من نظم الملكية، واتخذت عدة أشكال : ملكية خاصة للأراضي الزراعية يحكمها سقف حددته قوانين تحديد الملكية . وكذا في الإسكان الفاخر والمتوسط، وفي المصانع والمشروعات المتوسطة والصغيرة والاستهلاكية والورش ومحلات الخدمات . بجانبها ملكية تعاونية في مجال الصناعات التقليدية والحرف . بالإضافة إلى الملكية العامة في الصناعات الاستراتيجية والثقيلة والعسكرية. هذا النظام المختلط فضلا عن تحقيقه لحالة من الرضى العام فإنه حقق معدلات عالية في التنمية. واجهت الحصار الذي فرض على مصر في خمسينات وستينات القرن الماضي، وزودتها بقدرة الصمود في مواجهة الاعتداءات المستمرة و الحروب، وفي دعم حركات الاستقلال والتحرر في الوطن العربي وفي أماكن عدة من العالم . وصارت مصر نموذجا للتجارب الفتية، وقدوة للبلدان الناشئة والدول المستقلة حديثا . ويعود جزء كبير مما حققت مصر من مكانة إلى ما أصبح للفلاحين والعمال والطبقة الوسطى من وزن وثقل. وحين انقض المتربصون مع سبعينات القرن الماضي ، تحولت البوصلة الوطنية فورا من الاستقلال إلى التبعية . وبذلك انتفت الحاجة لتمكين الطبقات والقوى المنتجة . وبدأت الخطوات حثيثة في اتجاه استعادة الأوضاع إلسابقة. وفي أثناء هذا التحول المضاد كان ملفتا للنظر الدور الذي لعبته عناصر من أبناء الفلاحين والعمال ومن بين الطبقة الوسطى. ممن تبوأوا مراكز مرموقة ونافذة، ومن ذوي التأثير على الرأي العام، تنكروا لما كانوا يدعون إليه ويدافعون عنه، ورفعوا لواء تغيير القوانين التي هيأت لهم المناخ الذي أوصلهم إلى ما هم فيه، كمجانية التعليم مثلا . وكانوا وما زالوا يصبون اللعنات على زمن دفع بهم إلى المقدمة . فأساؤوا إلى أنفسهم أكثر من إساءتهم لذلك الزمن !!.

ولن تختلف النتيجة مع تمكين المرأة ولن تكون أفضل مما آل إليه حال الفلاحين والعمال والانقلاب عليهم. وما حدث في مطلع سبعينات القرن العشرين لم يكن مجرد انقلاب قصر انتصر فيه السادات على رجال عبد الناصر . فما حدث كان انقلابا اجتماعيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا كاملا، هدفه إعادة الأوضاع القديمة إلى ما كانت عليه . فانتزع أراضي الفلاحين من أصحابها بقرارات الدولة وتحت إشراف الشرطة. وعاد الإقطاع بأحكام قضائية سمحت بتسلل القنانة إلى الريف، وصار ذلك مصدر فخر لوزير الزراعة الحالي، الذي أعلن منذ حوالي عامين أنه نجح في اعادة الزراعة الإقطاعية. وتكاد أن تكون مصر هي البلد الوحيد في العالم الذي عاد إليه الاقطاع مرة أخرى بقرارات رسمية!!. وأخيرا وضع جمال مبارك مبدأً كرس به العلاقات المختلة بين من يملك ومن لا يملك، حيث يرى أن سوء توزيع الثروة أفضل من توزيع عادل للبؤس . وهذا إعلان واضح بمسؤوليته عن نشر البؤس والفاقة بين المصريين . وهذا أدى بنا لنكتشف أن منطقه هذا في توزيع البؤس هو الذي وضع الشباب أمام خيارات كل منها أمر من الآخر . إما أن يرضخ ويذعن فيموت منتحرا أو يبقى عاطلا، أو عليه أن يدخل بإرادته إلى عالم الجريمة والعنف. وإن لم يكن لا هذا ولا ذاك عليه أن يرحل بعيدا عن جحيم هذا البؤس المقنن، الذي حول أعدادا منهم إلى وجبات منتظمة لأسماك البحر المتوسط. ومن يحالفه الحظ في عمل يضطر إلى التوقيع على عقد إذعان . ففي اللحظة التي يحصل فيها على العمل عليه أن يوقع على استقالته ، التي يحتفظ بها صاحب العمل لطرده لحظة يشاء دون حقوق . كل هذا وما زالت النصوص القانونية مبقية على تمثيل الفلاحين والعمال . وقد شارك ممثلو الفلاحين والعمال المزيفون في أكبر المذابح الاقتصادية والاجتماعية ضد الطبقات والقوى التي يدعون تمثيلها، وأضحى التخلص من هذه النصوص أفضل من الإبقاء عليها. وأذكر أنني كنت في القاهرة في وقت مقاطعة المنتجات الغربية بسبب غزو العراق . وقد أفزع ذلك المسؤولون ورجال الأْعمال وقطاعاً كبيراً من رجال الإدارة وأجهزة الأمن المتكسبين من التبعية والفساد. وكانت حجة الرافضين للمقاطعة أن المنتجات المستهدفة تمثل مصدر رزق لكثير من الشباب وتتيح فرصا وتفتح بيوتا وتعول أسرا، ودفعني الفضول إلى البحث عن إحصائيات لعدد العاملين في تلك القطاعات، وهي في عمومها محلات وجبات سريعة ومقاه أمريكية وأوربية . واكتشفت أن عدد العاملين فيها لا يصل إلى 25 ألف عامل في كافة أنحاء مصر.. وهو رقم كان يستوعبه مصنع واحد في زمن التصنيع والتنمية .

وأرجو ألا أكون صادما للبعض إذا ما طالبت بإلغاء نسبة الخمسين في المئة للفلاحين والعمال في المجالس النيابية والمحلية، ليس رفضا لهذا المبدأ الإنساني إنما بسبب استخدامه غطاء ترتكب تحته أبشع الجرائم في حق جموع غفيرة من الشعب. لقد أُفرِغ من مضمونه، ووظف كاليمين الكاذب لتسويغ مصادرة وإهدار حقوق الملايين من المواطنين، بزعم أنها مقتضيات النظام الرأسمالي، وهذا هو الخداع بعينه. وعلى الرغم من رفضنا للرأسمالية وتوحشها، لكن نارها أرحم من جنة حكم عائلي عشوائي. لا يمت للأنظمة السياسية والاقتصادية بصلة . والنظام الرأسمالي رغم ما فيه من تغول وتوحش واستغلال وعنصرية استطاع تدليل مواطنيه.. يغدق عليهم ويرعاهم، ويضعهم في مصاف المجتماعات الأرقى والأقوى والأكثر رخاء ورفاهية. وكل هذا يوفر الأمان والاستقرار للحكومات الغربية، فتطلق العنان لآلتها العسكرية لإشعال الحروب خارج حدودها، ولاحتكاراتها لنهب ثروات الشعوب. وأحزاب النظام الرأسمالي تمثل كتلاً وقوى، وتعبر عن مصالح حقيقية . تتداول الحكم فيما بينها بالاحتكام لصندوق الانتخاب. فمن يحصل على الأغلبية النيابية يتولى الحكم، ومن لا يستطيع عليه أن يبحث عن حليف يأتلف معه لتوفير الأغلبية التي تمكنه من السلطة.

والمطلوب لمواجهة التدليس الذي يتم باسم الفلاحين والعمال أن تدعو الحركة الوطنية المصرية المواطنين والنشطاء إلى تأسيس أحزاب فلاحية وعمالية حقيقية بديلا عن النصوص التي تم تزييفها. وهي الملغاة عمليا ، تكون إلى جانب أحزاب وجماعات الطبقة الوسطى، الاشتراكية والليبرالية، وعلى هامشها من الممكن قيام أحزاب للبيئة ومقاومة التلوث . وإذا كان عبد الناصر قد أخذ بصيغة تحالف ‘ قوى الشعب العاملة ‘ كصيغة جامعة لممثلي الفلاحين والعمال والمثقفين والرأسمالية الوطنية والجنود، فإن الأوضاع القادمة التي ستترتب على رحيل الحكم الحالي تتطلب العمل على إقامة تحالف يعتمد الارتباط الحزبي بدلا من الانتماء الاجتماعي للطبقات والقوى المنتجة والمبدعة. وليكون جاهزا لملء الفراغ الذي ستتركه المنظومة العائلية العشوائية وامتدادها البوليسي، وهو ما يجعله تحالفا مؤهلا لإقامة نظام وطني لا يعتمد على حصص أو أنصبة لتمثيل هذه القوى أو تلك الفئة، ووقتها لن تكون هناك حاجة إلى حصة للمرأة، ولسوف تكون جزءا فاعلا من كتلة وطنية متراصة تعمل على تحرير المصريين جميعا رجالا ونساءً.

‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر