عبدالسلام بنعبدالعال
كتبهاhouratik ، في 16 يونيو 2009 الساعة: 23:11 م
"مُجتمـع الفُرجة
ليس من اليسير ضبط المعاني المعقّدة التي يعطيها جي دوبور Guy Debord لكلمة spectacle في كتابه الكثيف la société du spectacle الذي مازال يعدّ بحقّ أصلا من أصول كثير من التحليلات المعاصرة الماركسية منها وغير الماركسية. ولن يكون من السهل بطبيعة الحال نقل تلك المعاني المتشابكة إلى اللغة العربية. وإذا كنا قد جارينا الترجمة المتداولة للكلمة فلأنّها لا تبعد كثيرا عن بعض تلك المعاني. فهي تشير أوّلا وقبل كلّ شيء إلى "الانفراج" والابتعاد والانفلات الذي يطبع المجتمعات المعاصرة، فيجعل ما يعاش على نحو مباشر، يجعله مبتعدا منفلتا متحوّلا إلى صور وتمثّلات.
لا ينبغي أن نفهم من هذا الابتعاد أنّ دوبور يضعنا أمام الثنائية التقليدية التي تفصل الصور والمثل عن العالم المحسوس. وهو يؤكّد أنّه " ليس بإمكاننا أن نقيم تعارضا تجريديّا بين الفرجة وبين الفعالية الاجتماعية، فهذا التقسيم الثنائي سرعان ما يغدو هو ذاته منقسما متجاوزا". فالفرجة ليست مجرّد "مشهد" يُتأمّل، حتى وان كانت ترتبط عند صاحبها، كما سنرى، بالرؤية. ذلك أنّ الواقع الفعليّ ينبثق ويتجلّى في الفرجة، مثلما أنّ هاته تتمتع بواقعية فعلية. لذا سرعان ما يستدرك دوبور الأمر ليؤكّد أنّ الفرجة ليست مجموعة من الصور، وإنما هي "علاقة اجتماعية تتوسّطها الصور". وهي ليست شيئا مكمّلا ينضاف إلى العالم الفعلي، إنها ليست "ديكور" يزيّن الحياة الاجتماعية، بل هي " لبّ لاواقعية المجتمع الفعليّ". إنها العالم الذي تتحوّل فيه كلّ حياة إنسانية إلى مظهر..
الفرجة إذن هي تلك الحركة الدؤوب التي تطبع مجتمعاتنا المعاصرة والتي تتخذ أشكالا متعددة مثل الإعلام والدعاية والإشهار، كي تضع ذلك العالم الذي لم يعد في الإمكان الإمساك به، "تضعه تحت الأنظار". على هذا النحو تغدو الفرجة سعيا لجعل العالم الذي لا يدرك مباشرة، جعله "مرئيا".
هذا المعنى لا يظهر جليا في النقل العربي للمفهوم. وهو يتّضح إن نحن عدنا لاشتقاق الكلمة في أصلها اللاتينيّ. ذلك أنّ الّّّّّّّّّّـ spectacle هو ما يجلب النظر، والـ spectator اللاتينيّ هو من يرى وما يرى. لذلك يؤكّد دوبور " إنّ الفرجة من حيث هي ميل إلى جعلنا نرى العالم الذي لا يدرك على نحو مباشر، إنها تجد في العين الحاسّة الإنسانية المثلى."
فليس انفصال الصور أمرا يتمّ بعيدا عن العالم الذي انفصلت عنه. إنّه يشكّل جزءا من وحدة ذلك العالم. فالممارسة الاجتماعية التي تقف الفرجة في مواجهتها، هي الكلية العينية التي تشمل الفرجة ذاتها. لذا يكتب دوبور في أحد مقاطعه: " إنّ الفرجة تمثّل لنفسها بوصفها المجتمع ذاته". إنها ليست سوى "معنى" الممارسة الكلية لتشكيلة اجتماعية و"برنامج عملها"، إنها العصارة العامّة لمعقولية المنظومة الاجتماعية.
الفرجة هي تأكيد واقعية المظهر، والتسليم بأنّ كلّ حياة بشرية مجرّد مظهر، إلا أنّه مظهر "خضع لتنظيم اجتماعيّ"organisée socialement. فبينما كان الثنائيّ الوجود والعندية être /avoir كافيا لفهم المرحلة الأولى لهيمنة الاقتصادي على الحياة الاجتماعية، حيث اعتبر كلّ انجاز بشريّ تدهورا للوجود وانحلاله إلى "عندية"، فإنّ مجتمع الفرجة غدا يستدعي زوجا آخر هو الوجود الفعليّ والمظهرêtre/paraître وهكذا " فانّ ما يظهر أصبح جيّدا، وما هو جيّد غدا مظهرا". لقد أصبحت الفرجة "تحتكر المظاهر". إنها غدت نفيا مرئيا للحياة، غدت نفيا للحياة أصبح مرئيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتب, مقال | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























