فاطمة غندور
كتبهاhouratik ، في 31 مايو 2009 الساعة: 01:09 ص
لكم إخـوة كما لـي…
كل أخ ليس كأخيه ،لكن ثمة أخ ليس كمثله أخ ، ليس لأنه عزيز علينا ،بل لأنه عزيز فينا ، ناصر …فقيدنا الغالي من كان برا بوالديه …حنونا عطوفا علينا...
* خمسة وأربعون عاما(1964-2009)، من عمرك القصير كان حصادها العمل والطموح والمثابرة حتى نهبك منا مرض فتاك لا يرحم ( اللهم لا اعتراض على حُكمك)، كنت القوي بإيمانك … الصابر.. المُحتمل لألامه حتى أنك لم تُحمل أقرب الناس إليك ولا حتى أبعدهم شقاء حظك وثقل همك ، كيف لي أن أرثيك وأرثي فقدك الموجع أخا وصديقا ….عصية الكلمات حين تكون في حجم إنسانيتك ونُبلك ،لكنها سطوري المُرتبكة التي لن تفي حقك علينا وفينا تداعت لأسترجع بعضا من ما تبقى… ذكريات علها تُسري عنا مرارة غيابك …
*ناصر من دخل مدرسة 23يوليوالابتدائية بشارع الزاوية وأظهر تفوقا ميزه عن أقرانه بل عنا أيضا إخوته رغم أن رعاية والدي ومتابعته لتحصيلنا كانت مُتقاربة، في علي حيدر الساعاتي المدرسة الإعدادية ازدانت لوحة الشرف لسنوات بصورته ناصر التلميذ النحيل الوسيم، كنا ثلاثة زروق ، ناصر ، فاطمة من ترافقنا في طفولتنا مع أب لم يُشعرنا في يوم بالفارق بين الولد والبنت، في زاوية الماعزي المدرسة القرآنية عمل والدنا ،على هذا المكان كنا نتردد يقودنا شقيقنا الأكبر الزروق كنا نتسكع مشيا وعلى مهلنا لنصل ، كان اللعب ديدننا طوال الطريق…نتسابق ونتخفى ليبحث كل منا عن الآخر، ولأني كنت أصغرهم كانوا يجدون متعتهم في الهروب عني لأحتار في الطريق ثم أبكي ضياعهم مني… عندها يطلان من أقرب ركن أو زاوية ويتضحكان من جهلي وضعف حيلتي …كان زروق يخط على الهواء عمليات حسابية ،ويطالبنا بحلها نتوقف ونتعاند وكل منا يحاول الإجابة وإصابة الهدف لكن ناصر غالبا ما يُبادر بالحل….ونواصل اللعب نضرب، ونقسم ،ونضيف، ونطرح ،ونُلقي الألغاز التي نسمعها من أبناء الجيران أو زملاء المدرسة… نقترب من المدرسة التي تتوسطها حديقة جميلة مزدانة بأشجار اللوز والفواكه التين والعنب والتوت ، ونواصل اللعب في حضور مديرها محمد الماعزي بزيه المميز (الأزهري) ومدرسيها وموظفيها..
*كان ناصر أكثرنا نشاطا وحيوية ، مُحاور ومٌجادل لا يقبل الأمور على عٍلاتها،بما زرعه والدنا فينا من حث على قول أرائنا وما نرغبه كنا المتن في حياته ولم نكن الهامش رغم انشغالاته الذي كان يعمل صباحا ومساء ليعول أسرته وإخوته، كثيرا ما سألنا أساتذتنا إذا ما ولجنا العام الدراسي الجديد ويكون والدنا قد عرفنا بما سنعرفه من مواضيع في جميع المواد الدراسة هل أعدنا سنتنا الدراسية ، في مكتبة بيتنا المتواضع عرفنا ليبيا تاريخا ورموزا :محمد بازاما،زعيمة الباروني، خليفة التليسي، علي صدقي عبد القادر محمد سعيد القشاط ،مسعود فشيكة ، وتربينا على حبها وكذا المعارف المتنوعة التي تناسبنا سنا والتي تتجاوزنا وعرفنا شغف والدي بكتب السياسة التي كانت شاغل العرب :الناصرية والقومية العربية…. والدي من احتفظ بصورة لجمال عبد الناصر ممهورة بتوقيعه وصلته من مصر ،وكان عمي البوصيري من اختار اسم ناصر تيمنا بناصر مصر والعرب.
* كان ناصر قارئا منذ طفولته ولاحقا في شبابه وإن أبدى أسفه لي مؤخرا من خفوت عادة القراءة لديه لانشغاله الوظيفي والأسري وكونه على سفر من حين لآخر،والجميل أنه نقل عادة حب القراءة الى أطفاله تماضر وقصي فلا يحلو النوم إلا وتسبقه عيونهما المفتوحة وبمتعة على حكاية أو كتاب في عوالم النبات والحيوان ،وطالبني بأن أشحن له بعضا من كتب مكتبتنا عله يجد وقتا ليقرأها ،وأن أتبرع ببعضها لمكتبة عامة بعد أن أحملها إهداء باسم والدنا محب العلم والمعرفة والحاث عليهما دائما .
*في بيتنا وكما يلهو ويلعب الأخوة مع بعضهم البعض كنا نمارس هواياتنا المشتركة،في إحدى المرات أحضر لنا والدنا مقعدا وسبورة فكان كل واحد منا يؤدي دور المعلم حين يحين الدور نقلد طرائق أساتذتنا في تعاملهم وتعليمهم لنا ونلقي دروسنا على بعضنا كنا نُغني في حصة الموسيقى ،ونُمارس الرياضة في وسط بيتنا الصغير ليكتمل مشهد المدرسة ، ناصر من علمني ألفا باء الانجليزية كان معلمي وهو الطالب بالصف الثاني الإعدادي منه أحببتها ،ثم أحبتني معلمتها ،وكلفتني أن أعاون صديقاتي في حصتها ،وحصلت على درجات جيدة بفضله ، كما شجعني على اقتناء جهاز الكومبيوتر منذ تخرجه بالنمسا 1994م كان دافعي في دراستي لمجال الفنون والإعلام ،ثم متابع لكل أنشطتي البسيطة يمدني بنصائحه ويسمع رأيي ويناقشني ثم يتركني لقناعاتي وخياراتي إذا ما خالفته الرأي .
* كما اشتركنا في إصدار مجلة اسمها (الحدث)خطها ورسم لوحاتها ناصر لجمال خطه وقدراته الفنية التي برزت مُبكرا ، و استعملنا أوراقا بحجم كبير اقتطعناها من سجلات كراريس المدرسة القرآنية ما اقترح ناصر أن نستفيد ممايحضره أبي من بقايا لأوراق انتهت صلاحيتها، قسم ناصر المهام: لزروق جمع الأخبار وانتقاء أهمها من صحف ليبية وكذا صفحة الرياضة ، لي وخديجة صفحتي المرأة والطفل ،وكتب هو أسطر افتتاحيتها شارحا ببساطة مستواه المعرفي حينها :معنى الحدث ولماذا اختارناه عنوانا.
أعجبت المجلة والدي الذي شجعنا وسجل ملاحظاته الطريفة : أننا لم نرقم صفحاتها الإثني عشر، ولم نُرفقها بدعاية وإعلانات!.
* من مدرسة علي وريث حمل ثانويته _ العلمي ،حينها كان والدي يرأف بجسمه على التدريب العسكري الشاق فيها ، في النمسا أكمل دراسته في كلية الهندسة النووية ثم دراسته العليا في جامعتها الأمريكية، (وبستر) ليحصل على الماجستير بتقدير جيد جدا ،وليكون ضمن أوائلها وليعمل بعدها في شركة
المنافس لشركة أي بي إم الشهيرة .COMPUTER ASSOCIATES
وانتقل من موظف بسيط الى مدير لقسم المبيعات بعد حصوله ولثلاث مرات على شهادة التفوق الوظيفي لما حققه من مكاسب في مبيعات الشركة داخل وخارج النمسا ، كنا مُقصرين تجاهه لم نبارك له يومها ، من ينشغل بنا وبنجاحاتنا ويتواضع حيال ما يُنجز ،فهي معلومات سربتها صغيرته تماضر بعد سنوات .
*لم يُشعرنا ولو لمرة أنه إغترب عنا ،وإن شعرنا بافتقاده بيننا نفسا وجسدا ،فاتصالاته لا تتوقف ،ودون مبالغة … لا يمر يوم دون سماعه لصوت أمي وأبي ،وإن حدث وانشغل يتصل ليعلمنا بذلك وبموعد اتصاله القادم ،زياراته الى طرابلس لم تنقطع، شهري 7و8 ،مذ كان طالبا وحتى أسس أسرته ، لذلك مامن حدث عائلي إلا وكان معنا قلبا وروحا ..يسأل عن مريض، وعن مفقود، ومُسافر من الأقارب أو الجيران أصدقاء طفولته وشبابه يتذكرهم… وإن أخذتهم عنه المشاغل ،لم ينس أحد …ذاكرته تحفظ الود، وتُنكر الخلاف، عفُو مُتسامح كريم …
*اعتصرني الحزن والألم وشعرت وللحظة كأني أكتشف أخي ناصر الإنسان… في أيام عزاءه حضر الى بيتنا أناس لم نعرفهم ودخلوا بيتنا لأول مرة ليحكوا لنا عنه ..عن بيته في فينا بالنمسا (التي أقام وعاش فيها 20 عاما ) الذي كان مفتوحا للطلبة والمرضى فمن يبحث عن قبول للدراسة يدلونه على من سبقهم إليها… ناصر من يمنحهم المعلومات ويرد على استشارتهم ،من يصل بوالديه أو أحد أفراد أسرته ليستدل على أفضل مشافي البلاد يساعده ناصر وفي أي وقت ، زوارها للمرة الأولى دليلهم ومرشدهم ناصر ،في الأعياد والمناسبات يعج بيته بمن يدعوهم من الليبيين اللذين اختاروا العيش فيها ،حدثتنا سيدة أن ابنها انتقل من النمسا الى لندن لإكمال دراسته لم يستطع أن يتخل عن سؤال ناصر والاستفادة من خبرته ،ناصر لم يخذل أحد صاحب حاجة في الغربة معنويا أو ماديا ..(.نعته أحد أصدقاءه في تأبينه قائلا فقدنا امبرطورية الجود والكرم في غٌربتنا ) وأخرى تحدثنا عن أنه أدخلها وزوجها إلى بيته فور وصولهما فينا ،ودون معرفة مُسبقة إلى أن حجزا في فندق ليكونا قريبين من مشفاهما ..
* قبل وفاته بساعات ، ونحن نبادره بدعواتنا ونشد من أزره ونسمع أناته وكلماته: ..الحمدلله …الحمدلله …تذكر أن هناك من أتصل به بالأمس قادما من طرابلس ، فاعتذر منه ولم يستطع أن يخبره بتعبه ووهن صحته ، فهل سيسامحه ويعذره وقد قصر في واجبه …
*رحم الله ناصر ولنا الصبر والسلوان…مُصابنا فيه كبير …سلام عليه يوم ولد ويوم يٌبعث حيا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لوحات أهداها أطفاله: تماضر وقصي ورفاه إليه الخميس30_4_2009يوم وفاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سيرة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج





























يونيو 6th, 2009 at 6 يونيو 2009 2:03 م
الصديقة العزيزة والأخت المميزة فاطمة
عظم الله اجرك في هذا الشقيق المميز
والهمكم جميل الصبر والسلوان
كنت قوية دائما
اتذكرين وأنت تأتي لي كل يوم
في وفاة والدتي
وكيف تشدين أزري وتقوي عزيمتي
بأن اتجاوز محنتي التي لم استطع بعد
آه يا فاطمة كم هي اوجاعنا مميتة
وقاتلة
نتشارك الحزن
ونصبو الى المستحيل
ودموعنا نختنق بها
ما زلت قوية في نظرى
أما أنا فيأخذني الحنين
دائما إلى والدتي
حيث تنام نومتها الأبدية
وأبحث عن نفسي فاجدها فيك
وأنا اتطلع كما علمتني إمي إلى الأمام
وانت أكثر واحدة تعرفين ذلك
ابعد الله عني وعنك الأحزان
وأسكننا وأياهم جنة الفردوس
أختك
حواء المهدي البدي