يا حزاركم- تهتم بالتراث وقضايا المرأة

الخميس,تموز 03, 2008


شفق و فريلي 

روائيتان تركيتان تتحركان بين الأدب والسياسة

17imag206749 

في مقابلة بعنوان «اصطدامات قارية» أجراها الصحافي ريتشارد لي مع الروائيتين التركيتين أليف شفق ومورين فريلي بتاريخ 7-8-2007 حول الأدب والسياسة، تقول شفق إنها سئمت الأسئلة السياسية لأن «الأدب في تركيا أضحى نشاطاً مسيساً إلى أبعد الحدود» مضيفة أن « اللغة نفسها أصبحت مسيسة أيضاً، ولذلك فإننا في بلادنا نتحدث عن السياسة أكثر مما نتحدث عن الأدب، وفي الغرب، وبسبب الطريقة التي أعّرف بها، كامرأة وأديبة ومسلمة، فإنني دائماً أواجه بأسئلة سياسية».

وتأسف شفق لأن الناس في تركيا يركزون على الكاتب بدلاً من الاهتمام وتسليط الضوء على النتاج الأدبي. وقد أدى النجاح الكبير الذي لاقته رواية شفق الأخيرة «ابنة السفاح الاسطنبولية» إلى ازدياد الضغط عليها لتقوم بتمثيل بلدها في الخارج، وهو دور ينطوي على كثير من المفارقات بالنسبة لكاتبة حرصت دوماً على التركيز في أعمالها على شخصيات تعيش على هامش المجتمع التركي، ولذلك فهي تتساءل باستنكار «كيف يمكنني أن أمثل أحداً سواي؟»

وفي جولة قريبة لها في أميركا، أعادت عليها مجموعة من السيدات التركيات المقيمات هناك الطلب بطريقة أكثر خصوصية، حين سألنها أن تمثل «المرأة التركية العصرية» حتى يعلم الغرب مقدار «تحرر» هذه المرأة. لكن شفق تصر على موقفها وترفض أن تمثل أية فئة بعينها، لأنها ترى أن «الأدب يعني طرح الموضوع من زوايا كثيرة ومتشعبة وترك الأمر بعد ذلك للقارئ ليقرر».

وتضيف شفق «كل واحد منا مركب من مجموعة من الذوات وهناك أصوات في داخلنا نضطر أحيانا إلى كبتها حتى نبدو كأشخاص أسوياء. غير أن الأدب يمنحك فرصة أن تكون ذواتاً متعددة من دون أن تكبت أي صوت في داخلك. يمكن لكل الأصوات المتضادة والمتعايشة أن تظهر، ومن المقبول تماماً أن تكون حائراً، وأنا أحب ذلك». ربما يكون لطفولة شفق التي قضتها خارج وطنها دور في تعدد وجهات النظر التي تطرحها في أعمالها...

نشأة فريلي، في تشعبها وزخمها، تشبه إلى حد كبير نشأة شفق، فقد ولدت في نيوجرسي عام 1952 وعادت إلى تركيا وعمرها ثماني سنوات لتغادرها مرة ثانية للدراسة في جامعة هارفارد، وترى فريلي أن طفولتها تجعلها تستعصي على كل التصنيفات. تقيم فريلي حالياً في المملكة المتحدة حيث تدّرس الكتابة الإبداعية في جامعة وارويك، إضافة إلى عملها كروائية وصحافية ومترجمة، خاصة لأعمال الكاتب التركي الحائز على نوبل، أورهان باموك.

وتمكن هذه النشأة فريلي من النظر إلى الحياة التركية من زاوية فريدة: «لن أكون يوماً تركية خالصة.. ولكنني لست غريبة... غير أنه تم إقصاء المهجنين أمثالي عن المشهد (في تركيا)» ومن هنا جاءت روايتها «تنوير» كمحاولة لتثبيت موقعها ومن يشبهها على الخريطة.

أحداث «تنوير» مأخوذة من تجارب شخصية خبرتها الكاتبة بنفسها: «خلال الحرب الباردة، كنت أعيش أحداث فيلم إثارة دون أن أدري، آباء زملائي في المدرسة جواسيس، والـ كي.جي.بي تخترق كل مجتمعاتنا واحتفالاتنا، كان هذا وضعاً طبيعياً!» وقد بدأت فريلي كتابة «تنوير» قبل أكثر من 10 سنوات وتعزو طول المدة التي استغرقتها في إنجاز الكتاب إلى انشغالها بأطفالها الأربعة وطفلي زوجها من زواج سابق إضافة إلى الكثير من الأشغال التي عليها إنجازها.

ولكن هذه الأمور جميعاً تشكل جزءاً فقط من السبب لأن الأمر الذي دفعها إلى كتابة الرواية هو جريمة اغتيال سياسية ألقت بظلالها على جيل الكاتبة، ولذا «فإنك حين تتطرق إلى سؤال مصيري، سؤال يرغمك على إعادة كتابة تاريخك، فإن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً». وقد طرأ على «تنوير» تغيرات كثيرة خلال الأعوام العشرة: «لم أعد أعرف عدد المسودات التي كتبتها. كلما ظننت أنني عثرت على الراوي المناسب اكتشفت أن هذا الراوي إما زاهدا في معرفة الحقيقة، أو أنه يرفض إيصالها». في النهاية، وجدت فيرلي الراوي الملائم، ونقطة البداية المناسبة والأهم من ذلك كله أنها عثرت على «الصوت المناسب».

وعن توجه تركيا نحو الغرب تقول فريلي «خلال الـ 150 عاماً السابقة، على أقل تقدير، بات من الواضح أن تركيا مجتمع «مستغرب»، وأنه يتحتم علينا أن نمعن في هذا الاستغراب. حين أقرأ كتابات المثقفين الذين كانوا يكتبون في أواخر العهد العثماني، أجد أن السؤال الذي كان يتكرر ليس «هل يجب أن نصبح «مستغربين»، فقد كانوا يعلمون أن الجواب لابد أن يكون بالإيجاب، وإنما «إلى أي مدى؟ وكيف؟» وهي أسئلة هامة.» ومما لا شك فيه أن أحد الأسباب الجوهرية التي تجعل العالم يولي تركيا اهتماماً خاصاً اليوم هو أن الأسئلة التي لم تخطر ببال الكثيرين إلا منذ وقت قريب، كانت قد نوقشت مراراً وتكراراً في تركيا منذ 150 سنة.

وتستمر المناظرات والمناقشات إلى وقتنا الحاضر، رغم الضغط المتزايد على المثقفين الأتراك منذ اغتيال الصحافي هرانت دينك في بداية عام 2007، فقد كان صوتاً جريئاً ينادي باحترام الآخر وعدم إقصائه. وتختم شفق الحديث بالقول «مما لا شك فيه أن لأعمالنا تداعيات سياسية، ولكن الأدب هو الأولوية بالنسبة لي، أما المسائل السياسية فتأتي في المرتبة الثانية. وتضيف أنها تتحرك بشكل منهجي في اتجاه مضاد لتوجه الروائيين الأتراك السابقين، الذين كانوا يملون على قرائهم «الكيفية التي يقرؤون بها، والآلية التي يفسرون من خلالها ما يقرؤون. في مقابل ذلك فإن شفق تثير أسئلة كثيرة دون أن تحاول الإجابة عليها، تاركة الحرية للقارئ ليجيب على هذه الأسئلة بالطريقة التي يريده.