قصة الخوجة بديعة فليفلة


الخوجة بديعة فليفلة، إبنة محمد سرور، الذي كان قائداً مساعداً (لكشلاك)* معسكر البركة في بنغازي، أيام الحكم العثماني، وزوجة الأستاذ حسين علي فليفلة الوحيشي، رائد من رواد التعليم في بنغازي.
وكانت للخوجة بديعة شخصية قوية ذكية، تجيد اللغة الإيطالية التي أجادتها في فترة زمنية قصيرة، إلى جانب التركية والعربية، كما تلم بالفرنسية والإنجليزية، واليونانية، وتجيد العزف على البيانو والعود، حيث تلقت تعليمها في تركيا.
أثناء الإحتلال الإيطالي كانت مدرسة للغة العربية مع زميلتها الخوجة حميدة العنيزي، حيث كانتا من أوائل رواد التعليم النسائي في بنغازي سنة 1923، كما علمت الخوجة بديعة الطالبات صناعة السجاد، مستعينة بالحاجة والدة الدكتور مهدي المطردي. وحينما قلل الإستعمار حصص اللغة العربية في المدارس، قامت مع زوجها بتدريس اللغة العربية سرا للطلاب في منزلهما في بنغازي، مستعملة لكتب تهربها من مصر. ومن تلميذاتها السيدة خديجة الجهمي، والسيدة نورية الأزرق، والسيدة سمية خجلاكي، والسيدة حواء نجم، والسيدة حميدة بن عامر.
وعند زيارة موسوليني سنة 1936 لبنغازي، تم تحديد إقامتهما في بيتهما طوال فترة الزيارة.
وكان للأستاذ حسين فليفلة بصماته في تعليم الجيل الأول أيام الإستعمار الإيطالي وبعده، ومنهم الأستاذ شريف الماقني، والأستاذ محمد حمي، والأستاذ سالم الرعيض، والأستاذ محمد زغبية، والأستاذ أحمد الفلفال، والأساتذة بن عروس، وشقيقه محمد مهلهل، والأستاذ منير البعباع، والأستاذ سليمان بن عمران، والأستاذ عبد السلام قادربوه، والأستاذ مصطفى فتيتة، وغيرهم كثيرون.
وكان الأستاذ حسين فليفلة متمكنا من اللغة العربية، حيث كان رائد تأليف المسرحيات والسيناريوهات بعد الحرب في عهد الإنتداب البريطاني، ويقوم بتوزيع الأدوارعلى الهواة، أمثال الأساتذة ميلاد شمبش، ومنير البعباع، ومفتاح جربوع، ورجب البكوش، الذي كان يمتاز بالفكاهة المسرحية من الطراز الأول، وكذلك الأساتذة أحمد الفاسي، ورافع العجيل، وعبد الله كدوم، وشحات المريش. ومن الأطفال في ذلك الوقت الأستاذ مهدي كويري، والأستاذ محمود العجيل، والأستاذ أحمد الحشاني. ونجحت هذه المسرحيات حينذاك، وكانت تعرض في سينما 9 أغسطس في ميدان البلدية، وأحيانا في مقر المصرف العقاري أمام البريد القديم في شارع عمر المختار، وكذلك في الصالة الكبيرة التي كان يمتلكها الأستاذ علي المقصبي بالبركة في بنغازي.
وكان الأستاذ حسين فليفلة يعمل جنباً إلى جنب مع زملائه الأستاذ سنوسي المرتضي، والأستاذ حسين أشرف، والد الأستاذ فريد أشرف، والأستاذ عبد الجواد فريطيس، والأستاذ عبيد الله عامر، والأستاذ يوسف الأثرم، والأستاذ حامد الشويهدي، والأستاذ مصطفى الطياش، والأستاذ مصطفى بن عامر، والأساتذة صادق ومدحت بالة، والأستاذ عرابي العنيزي، والأستاذ فرج عبد الجليل عامر، والأساتذة عبد العاطي ومحمد يونس عامر، والأستاذ محمد بوكر، والأستاذ محمود ادريزة، والأستاذ عبد الله الشريف، وغيرهم كثيرون من مجاهدي نشر التعليم في ليبيا.
وبعد خروج الطليان، وتحت الإدارة البريطانية، أصبحت مديرة مدرسة الأميرة للبنات في بنغازي، وكانت من تلميذاتها الأستاذة فضيلة بومنير، والسيدات فوزية وخديجة كانون، والسيدات فاطمة وأمينة الوداني، والسيدة حليمة بوراوي، والأستاذة قدرية بن صويد، والسيدة أمينة قويدر، والسيدة أمينة المحيشي، والسيدة صالحة فتيتة، والسيدة نوارة الشريف، والسيدة سليمة السويري، والسيدة راجعة اليمني، والسيدة خديجة بالخير، والسيدات حميدة وسعاد طرخان، والسيدة فوزية كانون، وغيرهن كثيرات.
وقد بذلت جهداً كبيراً في إقناع أولياء أمور البنات بوجوب إرسال بناتهم إلى المدارس، حيث كان أغلبهم يرفض تعليم البنات. وبمجهوداتها المستمرة، وافقت أكثر العائلات على إرسال بناتهن إلى المدارس، كما كانت شديدة الحرص على البنات، حيث كان يسمونها "البكت الحربي"، أي الشرطة العسكرية.
طلبت من مفتش المعارف وقتها، السيد علي صفي الدين السنوسي، فتح فصل للتعليم الثانوي، أسوة بالأولاد، والذي إعتذر، لعدم وجود إمكانيات، فتوجهت إلى راهبات الديلاسالي، لإعطائها فصل في مدرستهن، يتيح تدريس البنات من 3 إلى 6 مساءً، وطلبت من بعض الأساتذة المصريين، الذين يدرسون البنين، للتطوع لإعطاء الدروس للبنات.
كان من بين الطالبات، الأستاذة آمال شنيب، والدكتورة وداد الساقزلي، والسيدة نعيمة المطردي، والسيدة خديجة كانون، والسيدة شريفة السركسي، والسيدة لمعان كويري. وكان تدريسهن مقابل أن تقوم التلميذات بتدريس البنات في الفصول الأول والثاني الإبتدائي، وبعضهم لا يتجاوزن الـ 12 سنة.
وكانت مواقفها الوطنية كثيرة، فقد كانت هناك مدرسة فلسطينية تـُدرس اللغة الإنجليزية في مدرسة الأميرة، جاسوسة للمسئول البريطاني، تسببت في نقل الخوجة بديعة ناظرة مدرسة الأميرة إلى مدرسة البركة، نظراً لتوجهاتها ضد الإستعمار، ومأساة العرب سنة 1948، ولكن بعد سنوات عديدة، رد لها الدكتور مصطفى بعيو إعتبارها، وعينها مفتشة في التعليم.
وكانت الخوجة بديعة تهتم أيضاً بالطلبة المقيمين بالقسم الداخلي، وكانت تشرف عليهم، ومن هؤلاء الأستاذ أنور ساسي، والأستاذ يوسف الحصادي، والدكتور مفتاح الأسطى عمر، والأستاذ رجب الماجري، والأستاذ عبد الرازق عمير، وكان ناظر المدرسة الأستاذ إبراهيم المهدوي.
وحينما أُتهمت الخوجة بديعة بمساعدة صالح بويصير على مغادرة البلاد عام 1955، بعد أن إقترحت عليه أن يغادر طرابلس إلى تونس عن طريق المطار، بدل من الطريق البري، حيث أقنعته بتغيير الترتيبات السايقة في آخر لحظة، الأمر الذي جعل صالح يخرج سالماً وبسهولة من المطار، بينما كانت الشرطة تنتظره في رأس جدير، بالطريقة التي هرب بها مصطفى كمال أتاتورك، عندما هرب من الحلفاء إلى الأناضول بعد دخولهم إسطنبول في نهاية الحرب العالمية الأولى.
بدأ التحقيق مع العائلة صباح اليوم التالي، ووجهت إلى الخوجة بديعة تهمة جنائية لمساعدته على الهرب، وتصدى الأستاذ علي الديب، المحامي الشجاع لمساعدة الأسرة، لإعتزازه بصالح بويصير. وكان الأستاذ علي الديب رئيساً للمجلس التشريعي، والذي حُل بمرسوم ملكي، وخرجت مظاهرات تهتف ضد العدالة والديمقراطية والمحكمة العليا، فوقف صالح بويصير بجانب الأستاذ علي الديب، حيث كان صالح بويصير وكيل مجلس النواب، وإستنكر حل المجلس التشريعي. فليس غريبا على الأستاذ علي الديب أن يقف بجانب محنة عائلة صالح بويصير، ضارباً عرض الحائط بكل ما يمكن أن ينتج عن ذلك من مخاطر. وكذلك بفضل الشيخ منصور المحجوب رئيس غرفة الإتهام، تم تحويل الجناية إلى جنحة. ثم أسقطت عنها التهمة في أول قضية أمن دولة تتهم فيها امرأة، في نهاية الخمسينات.
وأوقفت عن العمل سنوات عديدة، إلى أن رد إعتبارها الدكتور مصطفى بعيو، وزير التعليم في أوائل الستينات، واعادها للعمل كمفتشة في الوزارة، وتقاعدت في عام 1965.
إنتقلت مع أسرة صالح بويصير إلى مصر منذ 1956، حينما سُُمح للأسرة بالإلتحاق بصالح، بفضل السيد حسين مازق، وعادت معهم إلى ليبيا عام 1969.
توفاها الله في 1 مايو 76 في مدينة بنغازي، إثر أزمة قلبية حادة، ودفنت في مدينتها التي أحبتها.
رحم الله أعلام التعليم في ليبيا، الذين قدموا الكثير من التضحيات في سبيل نهضة ورقي وتحضر المجتمع، مقابل حب الوطن.
وعلى الليبيين أن يتكرموا بتسجيل ما يعرفونه عن تاريخ ليبيا المشرف، ويدونوه، حتى نطلع أولادنا والأجيال القادمة على حقيقة تاريخ بلادنا العريق الذي يشرفهم. وهذا جزء من تاريخ كفاح الشعب الليبي رجالا ونساءً، حيث الإستعمار والفقر واللا بترول. كما لا توجد كتب أو صحف تنور شبابنا لمعرفة تاريخ كفاح كوكبة من المتعلمين الذين عملوا على نهضة ليبيا، وكأننا دولة بلا تاريخ.
السؤال هنا: أيهما أفضل أن تكون قائدا لدولة قوية بالعلم والمعرفة، أم لدولة ضعيفة جاهلة فاشلة؟.
رحم الله أعلام ورواد نهضة التعليم في ليبيا، الذين قدموا كل ما في وسعهم في سبيل رفع شأن الوطن في فترة الإستعمارالإيطالي وبعده. وأردت أن أسرد هنا بعض القصص التاريخية لإصرار شعب كريم على رقي وتحضر ليبيا في فترة الفقر واللا بترول. وأتناول هنا رائدة من رواد التعليم في ليبيا "الخوجه بديعة فليفلة"". "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ *كشلاك معسكر بالتركي..
· الخوجة بديعة شقيقة جدة أمي سعادات هانم، والدة صادق حسين كويري، وزوجة المرحوم حسين نوري كويري باشا، الذي كان الحاكم العسكري للمدينة المنورة إبان الثورة العربية الكبرى، وقائد معركة الزويتينة ضد الإستعمار الإيطالي، وكان زميلا وصديقا لعزيز باشا المصري، وطلعت حرب باشا، وغيرهم من البشوات الوطنيين في ذلك الوقت. وكرمت مصر هؤلاء المجاهدين بإطلاق أسمائهم على الشوارع والميادين، أما فى ليبيا فقد غيرت أسماء الشوارع التي كانت تحمل بعضا من أسماء هؤلاء المجاهدين المرموقين.الخوجة بديعة زوجة أستاذ التعليم حسين فليفلة لم يرزقها الله بذرية، وقد ربت بنت إبن شقيقتها، لمعان صادق كويري "والدتي"، وكانوا يسكنون في نفس الشارع شارع كويري. وأثناء إقامتنا في مصر كانت لها علاقات مع مفتشات في التعليم وناظرات المدارس، ومنهم السيدات إنعام الجمال وبهية كرم وميري سلامة وسعاد فطين، وكانت تباشر أحوالنا الدراسية مع مدرستنا في مصر. وأذكر أنها كانت شخصية قوية وحازمة وحنونة وتعلمنا منها الكثير.
كتبها houratik-فاطمة غندور في 01:01 صباحاً ::
الاسم: houratik-فاطمة غندور
