كابوس


- لحظة من فضلك !
- ... وانتظر عودة المخدة تحت رأسي ، لكن الانتظار يطول. ويبقى رأسي في موضع النائم ، المعلق في الهواء. وعندما تنتابني اليقظة ، من جديد ، ولكن دونما تحذير هذه المرة أنظر خلفي فأجد رأسي معلق فوق شفرة هاوية سحيقة بلا قرار.
هذه المرة أستنجد ببقية أعضائي .. ولكن ما من مجيب. أحاول أن احتفظ بتوازن وهمي ما بين الفراغ العملاق الذي يتدلى رأسي فوقه وما بين حافة اليابسة التي أمامي.. غير أنني لا أستطيع أن أحدد ، بالضبط ، جغرافية قدمي يدي .. والبقية الباقية مني.
فجأة ، وكمن يحاول الاستعانة بكل خبراته .. يتقافز الماضي بأجمعه أمام عيني ، الخارجتين من مجحظيهما. أستحضر كل الأفلام السينمائية ، والروايات ، والقصص ، والخرافات التي رأيتها وسمعت عنها وقرأتها والتي وصفت وضع الرأس المعلق.
أول رأس قفز أمام عيني كان رأس ماري إنطوانيت ، ولكنني حتى في خيالي لم أستطع أن أسمع صدى صرختها ، مطلقاً.
تذكرت مشاهد اليهود ، العراة المكدسة فوق بعضها في أفران ألمانيا. النحافة والهزال الشديدين ، العيون النافرة ، وتعبير السكون الأخير. تذكرت كل ذلك لكنني لم أستطع أن اشتم رائحة الجثث وعفونتها ... ومن جديد لم أسمع شيئاً .. غير صمت ، وهمس خافت.
تبادر إلى ذهني المعلق داخل رأسي ، النائم المستيقظ فوق حافة الهاوية وقع أقدام سريعة ، رأيتها في مختلف الأحجام. أقدام تركض في الصحراء .. أقدام تطفو على البحر... أقدام تسرج الريح وتركض لتشق المساء. هرولة عظيمة .. ربما كانت هرولة الناجين بجلودهم من فلسطين 1948.
صم أذني نباح كلاب مستسعرة .. مريضة بدائها تنهش الأحياء. كلاب منظمة وفي مهمة رسمية .. ولذعني فكي وأنا أراها تنهش أطفال النبطية في عام 1982.
ترتيل غامض .. أية صلاة أقامها قسيس المدينة فوق الجثث التي تماسكت بالأيادي أطفالاً ، ونساءاً ، وشيوخاً من السود ، والبيض ، والصفر. كيف خلط " جيم جونز" السم لها في تلك القدور الضخمة من عصير الأناناس في " نيوغايانا ". تذكرت السائل الأبيض الذي سال على أطراف الشفاه الميتة موت العبادة الشيطانية في عام 1977 ، والقسيس الذي قرأ لأرواحها صلاته آملاً لها بالرحمة والسلام الأخير.
نهشت دماغي رصاصة صغيرة .. وأنا أرى رأس " ناجي العلي " يتدلي على رقبته في لندن عام 1987.
داستني الغابات والأحراش وأنا أتابع " رشاش " "رامبو" السينما وهو يخلط كل ما يتحرك أمامه بطلقاته. واستحضرت " جيمس بوند " وهو يقبل شفاه الممثلة الشقراء بينما يطلق زناد مسدسه نحو أعداءه من الصفر في " بانكوك".
وفجأة اخترق رأسي حشد من الأطفال ، مختلطين ، وممتزجين كأنهم طفل واحد : أطفال الانتفاضة في " سويتو " و " الضفة " ، أطفال الحرب العراقية – الإيرانية وهم يغرسون أظافرهم في محاجر بعضهم البعض ليتحولوا ، في الأخير ، إلى جيف تحت رمال الصحراء الصفراء ، أطفال أفريقية ببطونهم المنتفخة والذباب الذي يتجمع على أثداء أمهاتهم ، أطفال الهند الذين يعيشون في القمامة .. ويستنشقون بودرة الـ “SMACK” .. أرخص أنواع الهيروين .. أطفال مصر القديمة وهو ينثوون تحت غوث " الشحاذة " والنوم في ممرات المشاة حفاة ، أنصاف عراة ، وموسوعة لأمراض لا حصر لها ، أطفال الدعارة والرقيق الأبيض في شرق آسيا ، وأطفال الحرب اللبنانية الذين لم يعرفوا مواعيد منظمة للنوم أو الدراسة أو اللعب في الشوارع.
بدأت شفتاي تتمتمان " هيروشيما ... هيروشيما " وأخذ جسدي يجتمع ، وينزلق ، قليلاً ، قليلاً وها هو يهوي في الهاوية ... " هيروشيما " ، " هيروشيما ."
17 سبتمبر 1990
كتبها houratik-فاطمة غندور في 03:21 صباحاً ::
الاسم: houratik-فاطمة غندور
