يا حزاركم- تهتم بالتراث وقضايا المرأة

السبت,أيار 17, 2008


الحكاية الشعبية الليبية

ما تبقي من شواهد الريح

508ima302ima 

تجدر الإشارة أولا إلى الصعوبات التي تواجه الباحث العلمي عند الكشف عن الحكايات الشعبية الليبية وعلائقها بمجتمعها ، سواء في شكلها الجُزئي الإقليمي المحلي ، أو العام الأوسع دائرة الممثل في ليبيا ككل ، فما هو مرصود  وموثق ومنشور من هذه  الحكايات لا يفـي بحاجة الدارس والباحث للخوض في مسائل منهجية متعددة  تمس الحكايات الشعبية كموروث ثقافي إبداعي، والمشكلة الأساسية تكمن في فقدان الشواهد الواقعية التي تمثـل نماذج من الحكايـات الشعبيـة المُسجلـة من بيئات مختلفـة (مع التقدير لكل الجهود المحلية المبكرة التي سأعرض لها لاحقا) ، وقد تلمس هذه المُعضلة مبكرا الكثيـر من الباحثين العرب في مجال المأثورات الشعبيـة عامـة ، والحكايات الشعبيـة بوجه خـاص إبان تلقفهم لما ذاع من مناهج غربية: تاريخية ، وجغرافية ، وسيكولوجية ، وسيسيولوجية  بعد بروز مصطلح الفولكلور للإنجليزي جون تومز (1846م) * ولما وقع ترجمته وتداوله بواكير القرن المنصرم ، ومن تلك الإشـارات ما أورده  د.عبد الحميد يونس الباحث الفلكلوري الرائد (ففي رأيه ما يتطابق مع الحالة الليبية في فقدان مستلزمات الاشتغال الحكائي ) حينها أعلن عن " عدم توافر مجموعة وافية من المادة الأدبية الشعبية ، وبخاصـة في مجـال الحكايات الشعبية جمعاً وتصنيفاً ، وحكماً "وما أردفه د. محمد الجوهري فيما تعلق  بالصعوبـات التي تحول دون إدراك الأبعاد الاجتماعيـة في النص الشعبـي  فالبحث الحكائي " لا يمكن أن يقتصر على بيان المبادئ العامة ، ولا الوقوف عند حد المناقشات النظرية"  وإنما ينبغي أن يدعم  هذا المبدأ أو ذاك ، ويدلل على هذه الحجـة أو تلك  بكل ما يمكن الوصول إليه من شواهد واقعية ، ويتطلب هذا توفر قدر من الدراسات السابقة وعمليات التجميع الضخمة المنظمة ، لذلك تظل إشاراتنا بالنظـر إلى الوضـع الراهـن لدراسات الفلكلـور وحركات التجميع المنظم في البلاد العربية ، مقصورة على الخبرات الشخصية الخاصة للكاتب ، وعلى النتف المُتناثرة في المراجع المختلفة " وما نوهت له التجربة العربية (نموذجها مصر) يظل إلى وقتنا الراهن المشكل الليبي القائم في إلحاق الأكاديميات المتخصصة في العلوم الإنسانية بقسم يعنى بعلم الفولكلور بشقيه المادي والشفاهي بما يؤسس لمن سيضطلعون بالرصد الجامع والموثق لتفاصيل متعددة لموروثنا الشفاهي ومن ثم الدراسة البحثية في خاماته ، والوسيلة الأساسية لا تتأتى إلا بالخطوة المبدئية الممثلة في العمل"  الميداني  حين تصبح الحكايات الشعبية المرصودة ، وقائع مادية  وشواهد حية ملموسة ،بالاستماع إلى حملة الشواهد  الرواة ومباشرة على أن يتم التدوين الحرفي دون حذف أو تعديل أو تفصيح  ، ولتظل الشواهـد ، والنمـاذج ، والأمثلـة القائمـة والمرصودة ، هي ما تُستمد منه الدلائل والإثباتات لاستيعاب الحكايات الشعبية للثقافة السائدة في مجتمعها ، من قيـم ومعتقدات وأعراف ومعـارف وخبرات متوارثـة ومُترسبـة والذي سيتيح للدارس الباحث أن يستنطق ما يعج به النص الحكائى ، خاصـة وان ( العالـم الحكائي هو ما يستعير أفراده وخاصياتهم من العالم الواقعي ذي المرجعية ) لذا على الباحث في ميدان الموروث (الشفاهى) أن يعتمد منهج البرهنة العلميـة الميدانية فلا افترضـات ومُسلمـات ، دون إثباتات بالجمـع والتوثيـق ، ثم الكشف والاستنتـاج ، مما سبق نخلص إلى  أن مهمة الباحثين في الموروث الشعبي بعامة وما نتقصده في هذه الدراسة حكاياتنا الشعبية ، ينبغي أن تبدأ من المجتمع المحلي الإقليمي  الذي عادة ما يكون متنوعا جغرافيا وبيئيا فلكل حكاياته المتولـدة  من حراكه الثقافي والاجتماعي ، الذي يكشف عن قيمه ومورثاته الخاصة ، المُرتبطة ببنيته الاجتماعية ، فالاهتمام بالجزئـي المحلي يُفضي إلى عوالـم أوسع ، تتيح مجالات للدراسة الموازنة بين مجتمع وآخر وبيئة وأخرى ، وتبرز نقاط الخصوصيـة والتشابـه  أو الاختلاف  ، وذلك ما أنعكس لدى جامعي وراصدي ، ودارسي ثقافات الشعوب ، ومن خلال  تجربتهم ولنا أن نستدل بالدراسات الانثربولوجية التي توختها الإدارات الاستعمارية  لتفهم المنانات الثقافية والاجتماعية لدى مُستعمريها فما أنتجه باحثوها من نظريات مرجعيتها مادون ووثق من ألسنة الرواة من أهل المكان بل وصل الأمر حد إتقان لهجاتهم والتمازج معهم أثناء ممارسة شعائرهم وطقوسهم ،في تبني لشعار مسبق مفاده : " عندما يقتصر المرء في دراسته على مجتمع واحد ، فإنه يقوم بعمل ثمين ، وقد ثبت بالاختبار أن أفضل الادروسات تمت في الأغلب ، على يد محققين"  عاشـوا واشتغلـوا في منطقة واحدة (5) من ذلك يجب عدم إغفال أهمية البـدء في الدراسات الحكائيـة الشعبيـة على مجتمع بعينـه كوحـدة أساسيـة ، فالأجواء المحكيـة المُتخيلـة تأخذ ملامحهـا وسماتهـا  من صور ومشاهدات الحيـاة اليوميـة الواقعيـة ، ومن مجالهـا الجغـرافي والتاريخي والمعتقدات  والمعارف  ، والحكايات الشعبية نتاج أفكار وتصورات حركت الكيان الجمعي وحملت مقدساته وتابواته كما حملت عاداته وتقاليـده  ، وإن حملت بين طياتها ، وأُشبعت بالخيال واللامنطق والمُبالغـة إلا إنها تظل مُميزة بمحليتها ونابضة بتفاصيل حياة مجتمعها ، ولـذلك فإن ( دراسة النصوص  فقط  مأخوذة دون علاقاتها بالأيدلوجية الاقتصادية والاجتماعية في حياة الشعوب ، هي دراسة فاسدة من أصلها ).

والمجتمع الليبي كغيره من المجتمعات ، مجتمع له خُصوصياته ، ومقوماته الحضاريـة  وتميزه المتنوع جغرافيا ، وبرُقعة لها ظُروفها المناخية ، التي تعكس سمات حياتية خاصة ، بين ساحل بحري ، وواحات تتوسطه ، وصحراء ممتـدة ، وقد انعكس أثرُ تلك الاركولوجيا على ثقافة و أدب إنسانها منذ أقدم العصور ، وما قبل الميلاد تحديداً ، على النحو الذي ذكره المؤرخ الاثنوغرافي هيرودوت عندما أورد بعضا من تاريخ ومعتقدات الليبيين ، كما تحدث بشيء من التفصيل عن قبائلهم ومواقعها.

وفيما تبقى من شواهد حفرية ، ورسوم جدارية ، ونقوش وفنون يدوية ، أظهرت تفاعل الإنسان الليبي ، مع مكونات بيئته ، ومنتجاتها من مواد مختلفة ابتدعها ، وهناك أيضا ما يُدلل على ما صاغته المُخيلـة الليبية ، من تصورات ذاتية تجاه عوالمها المُحيطـة ، ومن ذلك ما أشار إليه د. علي فهمي خشيم عند استعراضه للأساطير و الحكايات الخُرافية ( فمن القصص والحكايات التي تُروى عن جنات سيدات الغرب ، وعن التنين لادن ، حارس التفاحات الذهبية الثلاث …، وعن مجموعة حكايات الحيوان الليبية ، المُسماة حكايات كوبيسيس … وما أورده الكاتب المسرحي اليوناني اسخيلوس ، في القرن السادس قبل الميلاد عن القصة الليبية التي تروى عن النسر الجريح ، والتي أوردها كذلك المسرحي اليوناني ارستوفانس في مسرحيته الطيور ) وفي تواصل مع الإرث الشفاهي الليبي ، فقد حاكت الحكاية الشعبية ، المراحل الاجتماعية والسياسية  والاقتصادية ، التي عاشتهـا ليبيا على النحو الذي نراه في القرن الخامس الهجري ( الحادي عشر الميلادي ) وكنموذج للتأثيرات الأدبية الشفاهية ، التي نتجت عن هجرة بني هـلال  في ما تركته من أثر في المخيلة الشعبية ، وهي هجرة لها مسـاوئ ومحاسن  اختلف فيهـا الباحثـون ، على أن أهم ما كان من نتائجها ، إذا ما نظـرنا إلى أثـرها العام ( على المدى البعيد تجسـم في توسيعهـا لمدى نشـر اللغة العربية ، والتمكين لهـا - ويُضاف إلى ذلك - الدور في صنع الشخصية العربية المثالية التي من صفاتها الكرم والشجاعـة والإبـاء نظراً لتأثـر الليبـي منذ نعومـة أظفـاره بما يُـروى لـه عن بني هـلال ) والتي عكست صراعات الإنسان مع قيمه وتطلعاته ، وتمازجه مع متغيرات البيئة كخبرات وموروثات وطرق مختلفة في صنع الحياة ،

ولذلك تظل الشواهـد ، والنمـاذج ، والأمثلـة القائمـة والمرصودة ، هي ما تُستمد منه الدلائل والإثباتات لاستيعاب الحكايات الشعبية للثقافة السائدة في مجتمعها ، لكن مشكلـة الجمع الميدانـي والتوثيـق ( التدوين ) ، ومن تم البحث والدراسة العلمية والمنهجية بطرح الحكايات الشعبية على بساط الكشف والتحليل  لاستنتاج واستخلاص ما تؤديـه من أدوار ووظائف وأغراض في مجتمعها  ظلت العائق في الإجابة المُحددة والمبنية على أُسس منهجية صحيحة ويحسب للباحث الشاعر الشعبي عمر المزوغي التفاتته و تحسسه المبكرين لما شاب الجمع والتدوين لموروثنا الشعبي من قصور وإهمال  بعد اطلاعه على التجربة الجمعية المصرية عند التحاقه بالدورة التعليمية بمعهد الدراسات الشعبية سبعينيات القرن الماضي مع رفيقه الباحث المتميز (من أثرى الدراسات الشعبية فور عودته ) عبد السلام قادربوه و   المزوغي من دون صرخته المستشعرة هم الثقافة الشعبية في ليبيا : (يجب أن تسجل من أَفواه الرواة على غير طريقة الجمع الميدانية المألوفة التي كثيراً ما تركن نصوصها المُسجلة أو المُدونة في زوايا المكتبات أو المراكز ولا تنال حقها من الدراسة الجادة ، والنقاش الهادف  شأنها شأن النصوص الأُخرى التي تُجمع للحفاظ عليها من الضياع ، ونسارع في جمعها خشية موت الرواة ، لحين عملية إجراء البحث فيها ، ومع الزمن يصبح هذا التمهل نوعاً من النسيان والإهمال