يا حزاركم- تهتم بالتراث وقضايا المرأة

الجمعة,أيار 16, 2008


الثقافة الشعبية : بين الكارتون والحكاية الخرافية  

997286303ima 

يستدل رولف بريدنج على التناظر بين فن الكارتون والحكاية الخرافية بما يلي: :

اولا : تشكل شخصيات نمطية وظهورها الدائم في الحدث واضطلاعها بادوار البطولة . وكما في الحكاية الخرافية . تعيش شخصيات فن الكارتون في عزلة تامة . ويكون اصلها غامضا . فطرزان ملك الغابة الذي ابتدعه ادجار بورجز عام 1912 , صوره المؤلف ابنا لابوين ارستقراطيين توفيا في افريقيا عام 1818 وعاش الطفل في الغابة مع الوحوش واصبح ملك الغوريللا ونصير البشر . وفي الاسطورة اليونانية يكون هرقل , وهو اكثر ابطال الاساطير شهرة ، ذا اصل غامض . فامه الخمين ابنه اليكتريون ملك مسيني اليونانية التي ازدهرت فيها الحضارة الايجية ما بين 1100- 1400 ق.م اما ابوه فهو ليس معروفاً ان كان امغتريون زوج الخمين ام زيوس الذي زار الخمين وقضى معها ليلة امتدت الى ثلاث ليال متتالية .

ثانيا : خلود الابطال واحتفاظهم بشبابهم وحيويتهم رغم تعاقب الاهوال والمخاطر عليهم واقترابهم من الموت احيانا .

ثالثا : عدم تعلم كل من بطل الكارتون والحكاية الخرافية من اخطائه ، وتكراره الاخطاء ذاتها التي تجعله يقع في المحظور الذي ربما يهدد حياته ولكنه ينجو في النهاية بانتصار الخير على الشر . ولا شك في ان التكرار في سلوك هؤلاء الابطال يعكس الطبيعة الروتينية للعالم والتي تتمثل في كر الايام وتعاقب الظاهرات الطبيعية .

وهكذا نرى ان كتاب الادب الجماهيري قد استلهموا الى حد ما خصائص الحكاية الخرافية في ابتداع شخصياتهم البطولية وبناء الحبكة واسلوب العرض القصصي . ويدل هذا الاستلهام دلالة واضحة على ان التفكير باسلوب الاسطورة والحكاية الخرافية بقي شيئا حيويا في ذهن الانسان المعاصر رغم اتجاهه لاسلوب المعايشة الواقعية لظروف حياته . ففن الكارتون اصبح بديلا نفسيا للحكاية الخرافية ووسيلة من وسائل التخفف من ضغوط الحياة اليومية .

ويبالغ رافائيل باتاي كثيرا في الكشف عن مؤثرات الفولكلور في الثقافة الجماهيرية الى درجة الاعتقاد بوجود تناظر مطلق بين ابطال المسلسلات البوليسية الحديثة وفلام الكارتون من جهة وبين ابطال الاساطير القديمة من جهة اخرى . ويقول باتاي مؤكدا وجهة نظره : ان ابطال الاساطير كهرقل اليوناني وشمشون الجبار وجلجامش بطل الاسطورة البابلية يطلون علينا اليوم بوجوه حديثة من خلال المسلسلات وأفلام الرسوم المتحركة كمارشال ديلون والقبطان كرك وسوبرمان وميكي ماوس وغيرهم، ويشير باتاي الى اوجه الشبه بين بطل الاسطورة التلفزيوني التي تتلخص في الهدف المشترك بين الاثنين وهو خدمة الانسانية من خلال العمل على تحرير الناس من خطر محدق بهم ففي الاسطورة اليونانية تكون اغلب مهمات هرقل من اجل تحرير احدى المناطق من خطر يهدد حياة سكانها كانقاذ الناس من تنين او وحش مفترس يتربص بهم ويؤذيهم . وكذلك تكون مهمات ابطال بعض المسلسلات البوليسية كقبطان الفضاء ورجل البوليس او المحامي وابطال فن الكارتون الذين تحول بعضهم الى شخوص انسانية لها قدرات خارقة كشخصية سوبرمان وطرزان وباتمان ، وهم جميعا يسعون الى محاربة الشر والقسوة والانانية المتمثلة في اعداء البشر .

ويبدو التشابه بين شخصيات المسلسلات وابطال الاسطورة في صفات التفوق والشجاعة والهالة البطولية ((والكارزمية)) التي يتمتعون بها . فهم على الرغم من عملهم في الغالب تحت امرة احد السادة , الا انهم يستطيعون بشجاعتهم وسحرهم الخاص فرض رغباتهم على سادتهم في العمل , وهم ٍالذين لايجارون هولاء الابطال في الشجاعة والقوة ، ويضيف باتاي بأن الوظيفة النفسية التي تؤديها المسلسلات الحديثة بالنسبة لانسان العصر تشبه الى حد كبير ،وظيفة الاساطير في حياة الانسان في الماضي فهذه المسلسلات على الرغم من ضحالة فكرتها واتجاه اغلبها الى للأسلوب العدواني ، الا انها تحتوي على عنصر مهم جدا وهو حاجة الانسان الى تخيل الاضطلاع بدور البطل الشجاع ذي الهدف النبيل فالتفاعل مع القيم التي يسعى ابطال افلام الكارتون الى تحقيقها وسيلة من وسائل التعويض عن حياة الاحباط التي يعاني منها عدد كبير من الناس في المجتمع الحديث ، والذين لايزاليهم الاحساس بانهم مجرد ارقام واجزاء من ماكنة متعددة العجلات .

ويتفق ماركس ليرنر مع باتاي في الراي قائلا : ان مصنع الاساطير لا يزال نشطا في امريكا المعاصرة ، وتلك الاساطير التي يعبر عنها من خلال الذخائر الفولكلورية المتخلفة عن الماضي , ولاتزال تعمل بنشاط وفاعلية في القصص البطولية التي تدور حول شخصيات نمطية معروفة في الحكايات والاغاني الجماهيرية . وفي الاشكال المتغيرة للتعابير الشعبية الامريكية .

والملاحظ ان نظرة ليرنر الى الفلكلور على انه ذخائر متخلفة عن الماضي انعكاس للنظريات الفولكلورية القديمة التي تقول بأن الفولكلور بقايا من الماضي يجب احياؤها ، وقد ظل هذا الاعتقاد سائدا حتى فترة قريبة حين ادرك علماء الفولكلور المحدثون بأن المأثور الشعبي ليس مجرد شيء قديم وانما ابداع متجدد يعبرعن فلسفة الانسان في حياته اليومية .

وفي مبحث آخر من كتاب ((الاسطورة والانسان المعاصر )) يستوحي باتاي سمات مشتركة بين شخصية ((ميكي ماوس)) الفأر المشهور الذي ابتدعه والت دزني , والفأر في الاساطير القديمة . وهذا في رأيه دليل على البعد الزمني لشخصية ميكي ماوس في تراث الانسان القديم .

وبالرجوع الى فهرست عناصر الحكاية الشعبية لستيث تومبسون . يستطيع الباحث ان يستنتج ان الفأر كان من الحيوانات التي اثارت خيال الناس في كل زمان ومكان ، ففي الاسطورة الاغريقية ، كان اسم ((سميثيوس)) او الفأر من القاب الاله ((ابولو)) ويرمز الى الحكمة . وفي الحضارة اليونانية كان الناس يعدون الفأر حيوانا مقدسا. وكانوا يحتفظون في معبد ابولو بفئران بيض لدرء خطر الفئران الاخرى وهجومها المفاجيء على المعبد . وفي الاساطير الهندية ترد اشارات كثيرة الى قوة الفأر وقدراته الخارقة ، ففي احدى الاساطير اضطلع الفأر بمهمة قتال الفيل الرسمي للمهراجا . وفي حكاية ثانية دخل الفأر خرطوم الفيل وقتله بنفث السم في مخه .

وتسبغ بعض الروايات صفة الحكمة على شخصية الفأر ، ففي احدى حكايات الهند ، قامت مجموعة من الفئران بانقاذ المملكة من العدو المحتل بعض اقدام المحتلين . وورد ذكر الفأر الذي ناطح الجدار والريح والجبال وتغلب عليها في قصص العرب والالمان وشمال افريقيا والاسبان وغيرهم .

ويؤكد باتاي ان والت دزني قد نجح في ان يصنع من شخصية ميكي ماوس بطلا عالميا وكلمة منزلية متداولة في كثير من اللغات ،وشخصية اسطورية لها تأثيرها النفسي وذلك قياسا على نوعية استجابة المشاهدين والقوة النفسية الدافعة التي يمكن استخلاصها من هذه الاستجابة . فكل من مهمات هرقل ضد المخلوقات الضارة بالانسان ومهمات ميكي البطولية للانتصار على القط الشرير تحدث الاستجابة نفسها لدى الانسان الذي يتخيل نفسه مكان البطل فيشعر بالسعادة والرضى . ويبدو باتاي متاثرا بمفهوم مدرسة التحليل النفسي التي ربطت بين مشاعر الانسان البدائي ومشاعر الطفل في قوله بوجود صلة بين اعتقاد القدماء بصحة شخصية هرقل في مرحلة مبكرة من تاريخ البشرية واعتقاد الطفل , في المرحلة الاولى من حياته بواقعية شخصية ميكي .

وعلى الرغم من ان الهدف من ابتداع شخصية ميكي ماوس كان بالدرجة الاولى , تجاريا ، وان المسلسلات التي تدور حوله قد صممت اساسا لمخاطبة الطفل , ورغم معرفة الانسان العاقل بزيف هذه الشخصية والشخصيات البطولية الاخرى التي تظهر في مسلسلات التلفاز الا ان الناس احيانا يختلط لديهم الواقع بالخيال ، والدليل على ذلك آلاف الرسائل التي توجه لابطال مسلسلات يلعبون ادوار اطباء او محامين من اجل استشارات طبية او قانونية . وهذا برهان على استمرارية اعتقاد البعض بواقعية هؤلاء الابطال وكذلك يكون بكاء بعض مشاهدي الافلام ذات الطابع التراجيدي او الميلودرامي خير شاهد على اختلاط الحقيقة بالخيال في ذهن هؤلاء او تذكرهم مواقف مشابهة في حياتهم الخاصة

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن جريدة المدى