يا حزاركم- تهتم بالتراث وقضايا المرأة

الأربعاء,أيار 14, 2008


.. نجهل أدب التيبت

     96517ica7r9t

خلال «الفتنة» التي أوقدتها «الشعلة الأولمبية» في إقليم التيبت والتظاهرات التي قام بها أتباع الدالاي لاما، نشرت مجلة «البريد العالمي» (لوكورييه انترناسيونال) الفرنسية قصائد مترجمة عن اللغة التيبتية المهددة بالإنقراض، لشعراء رفضوا ان يعلنوا اسماءهم خوفاً من السلطات الصينية التي تسيطر على هذا الاقليم. بدت تلك القصائد رثائية الطابع وبعيدة تمام البُعد عن الروح العدائية أو التحريض والهجاء... ومشبعة بـ «السلام» الذي طالما دعت اليه البوذية. إحدى القصائد تتحدث عن «الحداد الرسمي» و «دموع الحب» وعن «الناس الذين يتقاسمون القدر نفسه». ويخاطب شاعر في قصيدة أخرى وطنه «التعيس» راثياً نفسه هو الذي «أدرك نهائياً» أنه «سجين». قد يعجب قارئ هذه القصائد المسالمة جداً، كيف يمكنها ان تثير حفيظة النظام الصيني ذي اليد الحديد فيضطر أصحابها الى عدم توقيعها بأسمائهم، لئلا يُلاحقوا ويُسجنوا. وقد يكون هذا الخوف – أو هذا العزل بالأحرى - سبباً رئيساً في جهل أدب التيبت، جهلاً يكاد يكون شبه عام. ولولا بعض كتب الرهبان التيبتيين والدالاي لاما و «كتاب الموتى التيبتي» لوقع هذا الأدب في حال من النسيان وظلّ راقداً في التيبت أو في مكتبات المنفيين في الهند وسواها، أولئك الذين فرّوا مع الدالاي لاما عام 1959 بُعيد الانتفاضة التاريخية، منقذين ما وسعهم إنقاذه من المكتبات التي أحرقها الجنود الصينيون وبعثروها. أما المكتبة العربية فلم تعرف أي ترجمة لهذا الأدب ولو مجتزأة على ما يبدو. وقد يستحق «كتاب الموتى» أن ينقل الى العربية أسوة بـ «كتاب الموتى» المصري أو الفرعوني. فهذا الكتاب فريد بجوِّه الحكمي وتأملاته والخلاصات الفلسفية والأبعاد الروحية والميتافيزيقية التي يضمّها. ويسمّى الكتاب باللغة التيبتية «باردو – تودول» وقد نقل الى لغات عالمية عدة. في أحد مقاطع الكتاب ترد هذه المخاطبة الجميلة: «أيها الابن النبيل، إنك في الجسد الذي تمتلكه الآن، ستلتقي أهلك وأصدقاءك، كما لو في حلم. ستتوجه إليهم بكلامك ولن يجيبوا. سترى أهلك واصدقاءك يبكون، وستقول في سرّك: «إنني ميت، فماذا عليّ ان أفعل؟» ستتألم مثل سمكة تُشوى على رمل حارق».

التظاهرات التي شهدها إقليم التيبت في الذكرى الخمسين للاحتلال الصيني والتي ما برحت تتفاعل عالمياً بعدما قمعها الجيش الصيني بقسوة، قد تكون حافزاً للتعرف الى ثقافة هذا الشعب وأدبه، وفنه وليس فقط الى قضيته السياسية. ولعلّ هذه القضية لا يمكن فصلها عن خلفيتها الثقافية، فالاستقلال الذي يطالب به أهل التيبت – وهو حق تاريخي – يعني في ما يعني، الحفاظ على اللغة الأم المهددة التي تجتاحها اللغة الصينية، وكذلك على الهوية الثقافية الذاتية وعلى التراث المهدد أيضاً بالانقراض نظراً الى نهوضه على اللغة نفسها. ويخشى أهل التيبت، الاقليم الذي سمّي قديماً «سقف الأرض»، من فعل «الاذابة» أو «التذويب» الذي تسعى اليه الصين بعدما بدّدت هذا الشعب وهجّرته.

تبحث عن أدب التيبت في اللغات العالمية ولا تجد إلا القليل، حتى فرنسا التي أولت قضية التيبت كبير اهتمام لم تترجم منه الا ما توافر، لكن بعض باحثيها أفاضوا في تناول هذا الأدب شرحاً ونقداً. واستوحى بعض الكتّاب الأدب الميثولوجي والديني ونقلوا منه حكايات وأساطير جمّة. ومن عناوين كتبهم: «حكايات جدة من التيبت» (إيفلين فيراي) و «حكايات حكماء من التيبت» (بسكال فويّو)... ويُجمع الباحثون على أن أدب التيبت غزير جداً ولا ينفصل عن الدين كمرجعية وغاية. فمعظم الكتّاب المؤسسين هم من الرهبان البوذيين والحكماء وقد تأثروا بالنصوص البوذية التي أكبوا على ترجمتها الى لغتهم بعدما أسسوها في القرن السابع. ويتراوح أدبهم المكتوب والشفوي بين الحكمة والتأمل الصوفي والحكايات وقصائد الحب وأغاني الزواج والملاحم والسير. ولديهم ما يسمى «أدب الالهام» الذي انبثق منه نوع فريد هو «جتر - ما» أو «أدب الكنوز». أما الأدب التيبيتي المعاصر، فهو غربيّ النزعة، سواء كُتب باللغة التيبتية أم بالانكليزية، وغالباً ما يتحدث النقاد عن روائي يدعى ياكس دانيزيم صاحب رواية «الصامدون» الصادرة عام 1981، عطفاً على الكتب الحكمية الحديثة التي يقبل على تأليفها رجال دين ومنهم الدالاي – لاما الراهن الذي ترجمت كتبه الى لغات شتى لا سيما بعد فوزه بجائزة نوبل للسلام.

ما أحوج العالم فعلاً الى التعرّف على أدب التيبت وتراثه وعلى ثقافته التي تكمن في صميم قضيته الثقافية، فهذا الاقليم المعرّض للزوال جغرافياً مهدد ايضاً بالزوال ثقافياً وحضارياً. انه الاقليم «ألاقلّوي» الذي يحتاج الى المؤازرة، اياً تكن، مثله مثل الاقليات الكثيرة التي تواجه خطر الزوال.