تقنيات السرد بين التنظير والتطبيق


(1)ظهر مع الحداثة ما سمي(علم الرواية) وتابعه (علم السرد) تأسيساً علي أن هناك نوعا من النصوص الأدبية التي حصرت وظيفتها في إعادة إنتاج الواقع بمجموع وقائعه وشخوصه، والعلاقة الجدلية التي تربطهم، ثم تقديم هذا المنتج في لغة توصيلية ذات مواصفات أدبية، وكان ظهور مصطلح (علم الرواية) وتابعه (علم السرد) ذا تأثير واسع في المحيط الأدبي والنقدي، وازداد هذا التأثير عندما زاحمت الرواية سواها من أجناس القول، وسعت أن تجد لها مقعداً في المقدمة، إن ترديد هذين المصطلحين في زمن الحداثة، قد استهدف تخليص الرواية من القراءة الانطباعية التي صاحبتها منذ بواكيرها حتي أوائل القرن العشرين، ومما لاشك فيه، أن هذه الانطباعية كانت وليدة (المحكاة) التي كانت تنظر في النص بوصفه محاكاة الواقع، إذا كانت المحاكاة أمينة وصادقة نال النص الرضا والقبول النقدي، وإذا انعدمت الأمانة والصدق، كان الرفض الفوري، دون نظر إلي الأداة التعبيرية التي وظفها الأديب، سواء أكان صادقا أم غير صادق، ذلك أن الانطباعية احتكمت إلي (المرآة) النصية، وأهملت سواها من الأدوات المنتجة للنص، وتناست الهيكل البنائي للرواية.
ومع سقوط الانطباعية، أو تحجيمها ـ علي أقل الاحتمالات ـ اتجهت القراءة النقدية إلي البناء الداخلي للنص الروائي، وبخاصة بعد جهود فرويد في مباحثه النفسية، وما قاله عن الوعي والعقل الباطن، وهو ما هيأ المجال الأدبي لظهور (رواية تيار الوعي) التي أسقطت المحاكاة والانطباعية نهائيا، إذ إنها تجاهلت وقائع العالم التي تسكن الخارج، وسلطت عنايتها علي الوقائع الداخلية للإنسان، أو لنقل: إنها جعلت وقائع الخارج انعكاسا لوقائع الداخل، وهو انعكاس عضوي، بل ربما يكون عشوائيا ،ومعني هذا أن يبدأ السرد ممارسة وظيفتة من الداخل، وهو منطقة ليس لأحد سلطان عليها، وليس هناك رقابة تحاصرها، وربما لذلك اتسم هذا التيار الإبداعي بكثير من الغموض، ولم يكن غموضا من أجل الغموض، وإنما من أجل الإفصاح ، وهذا التحول الطارئ للخطاب الروائي، صاحبته عناية واضحة من الخطاب النقدي بالأبنية المنتمية (للوعي الداخلي)، مثل (الحوار الداخلي) و(الأحلام) و (التفريغ النفسي) و (الإسقاط) ثم عناية أخري بتخليص النص من سلطة المبدع حتي لا تلاحق المتلقي، وفي هذا السياق ظهرت بعض الإشارات لمصطلحات ما بعد الحداثة التي تختص الرواية، مثل الذي دار حول (الحوار الداخلي) من كونه حوارا مباشراً أو غير مباشر، ومثلما هو الأمر مع بعض الأبنية الصياغية (كالضمير) و(الإشارة) و(أدوات الربط)، وبعض الأبنية الدلالية، مثل (المناجاة) و (التداعي الحر)، ثم رصد بعض تقنيات الفنون البصرية، كالمونتاج والسيناريو والفضاء النصي وغيرها من التقنيات .
(2)لقد تردد في زمن الحداثة مصطلحان متشابكان: (الخطاب ـ النص) وليس من همنا هنا الدخول في جدل حول ما دار حولهما من حدود معرفية، وعلاقة أدبية، وثم فإننا نغادرهما إلي ما سبق أن أشرنا إليه (علم الرواية) و (علم السرد) ومردودهما المعرفي، إذ كان هناك يقين بأن كل خطاب له مستويان منفصلان علي مستوي التحليل، وإن كانا متحدين علي مستوي الإنتاج، أما المستوي الأول، فهو البناء الصياغي، والمستوي الثاني هو المنتج الدلالي، وكان السؤال النقدي الملح: هل من الممكن أن ينضوي المصطلحان تحت مصطلح (النص) ؟ وأهمية السؤال جاءت من أن قراءات ما بعد الحداثة أعطت للنص حقوقا كثيرة، وأولها :حق أن يكون النص منتجا لذاته، بل في قدرته أن يكتب نفسه، علي معني أن يكون النص هو(القائل) أي (فاعل القول)، وبحق هذه القدرة فإنه يسعي للتعبير عن مكنوناته الداخلية، وكيفية إطلالها علي الخارج التي علي ضوئها يشكل مواقفه وأحواله وزاوية رؤياه، ومن ثم رفضت النصية مجموع المرجعيات الخارجية بكل مستوياتها، سواء أكانت مرجعية واقعية، أم مرجعية فكرية، معني هذا أن عناية النص البالغة تكون بالمستوي الأول، ومن الملاحظ أن مصطلح النص ارتبط ارتباطا حميما بمصطلح (النوعية) الذي جاء ظهوره في حوار مصطلح (العولمة) بكل متغيراته الكمية والكيفية في كل المجالات الإنسانية، أي في (متغيرات الثقافة) بوصف الثقافة جامعة للمسلك البشري داخليا وخارجيا، ومن مكرور القول أن نعيد الكلام عن مرحلة (الوفاق الدولي) التي أوقفت الصدام بين الكتلتين: الغربية والشرقية، ويبدو أن (العولمة) كان لها مواليدها، ومن هؤلاء المواليد (ظاهرة التجنيس) التي كسرت الحواجز النوعية، وكان مصطلح (النص) هو المناسب لاستيعاب هذا الكسر، علي معني أن الإيغال في النصية كان مصاحبا لتحجيم النوعية، وكان لذلك صداه ـ المباشر حينا، وغير المباشر حينا آخر ـ في الرواية، حيث تنازلت عن بعض حقوقها المحددة لخصوصيتها، وهو تنازل باعد بينها وبين المفهوم التقليدي لها، وهو مفهوم أحاطته المذاهب النقدية المتتابعة بإطار من القداسة الفنية، ومع انكسار التنوعية، ظهرت بداية التداخل النوعي علي نحو محدود، ثم أخذت في الاتساع، فكانت تداخل الرواية بالقصة، وتداخلها بالسيرة، والمذكرات اليومية، وتداخلها بالمسرحية، ثم تداخلها بالشعر
3)إن منهج البحث يقتضي أن يكون الحديث عن الرواية بدءا من مصدر إنتاجها، فمن هو منتجها؟ هل المؤلف أم الراوي؟ لقد استحضر بارت مصطلح (المؤلف) ثم أماته، ورأي أن حاشية حضوره كانت رهنا (بحقوق التأليف والنشر)، وقد سعي فوكو إلي فك الارتباط بين المؤلف والشخص الذي كتب العمل الأدبي، وهو ما يعني أن هذا المؤلف قد استحال إلي كينونة ضبابية ليس دوراً أو وظيفة تنفيذية، ومن ثم فإننا نتقبل مقولة بارت ـ مع التحفظ ـ وتقبلنا راجع إلي أن هدف بارت من إماتة المؤلف، هو الحد من سلطته علي النص (1).
وإذا نظرنا إلي المؤلف بوصفه القائم بالكتابة فحسب، فإن النظر لابد أن يتجه إلي (الراوي) بوصفه المنتج التنفيذي لهذه الكتابة، ولن نطيل الكلام حول مفهوم الراوي، فهو مفهوم يكاد يدركه عامة المثقفين، ذلك أن التراث العربي قد تعامل مع هذا المصطلح علي مستويات متعددة، منذ أن كان هناك رواة للشعر، ورواة للحكايات والأساطير، وينضاف إلي كل ذلك الوظيفة الدينية التي أداها الرواة في حفظ النصوص المقدسة، إن استبعاد الكلام حول مفهوم الراوي، يضعنا مباشرة في مواجهة وظائفه ومواقعه التي علي أساسها يتدخل في بناء النص، وفي مسارات السرد، وفي اختيار أدوات هذا السرد، ذلك أن عقيدتنا ـ بعيدا علي الجدل حول المؤلف والراوي ـ أن هذا الراوي هو الموكل بنقل النص من المؤلف إلي المتلقي، وبحق هذا التكليف، فإنه يتمكن من توجيه النص بما يوافق مي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ